ها هو ذا الزوال ينبش ماتبقى من ساعات النهار،درجة الحرارة المنخفضة تنبئ بانتهاء شهر دجنبر، ومعه ساعات العام المستعد للرحيل.
ودعت سلمى صديقاتها على ناصية الحي،كانت جائعة،منهكة القوى،لكن سعادتها العارمة بأيام العطلة المدرسية وتحصيل معدل الأسدس العالي فاقت كل إحساس بالتعب أوالجوع،كانت خطاها الصغيرة تقودها بخفة غريبة نحو البيت،انفرجت شفتاها فجأة عن ابتسامة مشرقة حينما استحضرت طبقا من أطباق والدتها الدافئة الشهية.
-“لابد أنها تعد المائدة الآن “
و هي تحث الخطى في آخر عطفة على يمين الزقاق الذي يضم بيت العائلة،حاولت أن تتخيل حجم الفرحة التي سيرسمها خبر تفوقها الدراسي في عيون أمها و أبيها وعمتها.
عند باب البيت،تابعت دقاتها في إيقاع موسيقي جميل،أطلت عمتها العانس بجبين مقطب ووجه عابس،راعها الظلام المنتشر في الأركان.
-“ترى أين اختفى النور؟من سرق الأضواء التي كانت تشرق على هذا البيت؟”
شعرت بهدوء مريب يخيم على الأنحاء ،في ركن من غرفة أبويها لمحت سلمى حقائب كبيرة مغلقة بإحكام، وضعت أناملها على صدرها محاولة تهدئة دقات قلبها المتسارعة.
على السرير، كانت تجلس جدتها ووالدتها،اقتربت سلمى قليلا ،تطلعت إلى ملامح أمها وعلى شفتيها ألف سؤال،رأتها مطأطأة الرأس،محمرة العينين ،توقفت الكلمات في حلقها،لكنها قاومت بإصرار،وضعت يديها على كتف والدتها وقالت:
-ماما،مابك؟ماالذي يحدث؟
عانقتها الأم بحرارة ثم انفجرت باكية.
رفعت سلمى إلى جدتها عينين حائرتين،تجاهلتها الجدة، سمعتها تقول لأمها في حدة:
-هيا!قومي لنرحل!لم تعد لك حياة في هذا البيت،هُنتِ وأُهٍنْتِ بما يكفي،بيت والدك وإخوتك أولى بك،أبدا لن تُضامي ونحن أحياء نرزق!
لمحتهما تقومان وتغادران الغرفة،التفتت الأم إليها،رنت إليها لحظات ثم اتجهتا معا إلى الباب تحملان الحقائب.
سمعته سلمى يغلق بعنف، تسمرت في مكانها ،حاولت أن تفهم ما يجري،لكن حواسها تعطلت وشلت قدرتها على التفكير.
كانت العمة تجهز مائدة الأكل و تضع الصحون والملاعق في خفة غريبة،تعلو وجهها ابتسامة شيطانية،سمعتها تترنم بأغنية لرابح درياسة:
“نجمة قطبية طلت عقب الليل عليا.” كرهت العمة،كرهت الأغنية،أحست بالغثيان.
انتفضت حين بلغها صوت والدها القوي يدعوها إلى الطعام.
اقتربت من المائدة ببطء وجلست،كانت العمة توزع الأرغفة وتلوك الأكل بشهية غريبة،تطلعت سلمى إليها بعينين دامعتين، رأت الابتسامة الخبيثة تلح على محياها العجوز.
جلست معهما شاردة،صامتة،لا تتناول شيئا،أمسك والدها الرغيف ووضعه أمامها ومعه نظرة من نار،أدركت أنه يتوجب عليها الأكل إن أرادت أن تنعم بالسلام.
تقف اللقمة في حلقها،تختلط بالدموع، تتحول إلى سم مريع،تبكي وتأكل،تعذبها اصوات الملاعق وهي ترتطم بالصحون..
الألم في أحشائها يتضاعف،تتمنى الموت..لا تموت.