إنّ النص المقدم ليس مجرد وصفٍ عابر لشجرة سدر، بل هو سيرة ذاتية متداخلة بين الراوي والشجرة، تُغطي مساحاتٍ زمنية تمتد من الطفولة حتى العقود المتأخرة، وتمر بأزمات اجتماعية وطبيعية كـ(الجفاف، الكورونا، الإهمال). يستخدم الكاتب لغة غنية بالدلالات والرموز، محوّلاً الشجرة من كائن نباتي صامت إلى شاهد حي على تحولات الحياة.
ـأولا:
دلالات الشجرة ومكانتها الرمزية
تبدأ العلاقة باعتراف ضمني بـقدسية الشجرة؛ “لم نصارعها بفأس فقد قيل لنا إنها مقدسة”. هذا التبرير يحوّل الشجرة من مجرد مصدر خشب أو ثمر إلى كيان يحظى بالاحترام الروحي، وهو احترام ورثه الراوي ولم يكتسبه بالتجربة الذاتية، مما يؤكد عمق الجذور الثقافية لهذه النبتة في بيئته.
١ ـرمزية الصمود والتضحية (الرد بالثمر)
يصور النص الشجرة كرمز للصمود والإيثار، على الرغم من القسوة التي تتعرض لها: “يرمونها بالنعل والحجر فتجيبهم بثمرها”. هذا المشهد يجسد فلسفة التسامح والعطاء غير المشروط؛ فالشجرة لا ترد الإساءة بمثلها، بل بالخير، مما يجعلها أقرب إلى رمز الأمومة أو الحكمة القديمة.
٢ ـمركز الحياة والذاكرة
تتحول الشجرة إلى نقطة التقاء لكل عناصر البيئة:
»• الإنسان:
(عمال البناء، الصيادون، الصغار، الفلاح).
»• الطبيعة:
(الريح، الطيور، الأعشاش، الأسماك، الحيوان الصدفي).
»• مخلفات الحضارة والزمن: (أكياس النايلون، رسائل العشاق، أحزمة الحقائب البالية، العلب الصدئة).
هذه القائمة من المحتجزات في أغصانها ليست مجرد قمامة، بل هي أرشيف عشوائي للذاكرة البشرية والزمن الغابر، مما يرسخ مكانة الشجرة كمستودع للماضي.
ثانيا:
المراحل الزمنية وتطور العلاقة
العلاقة بين الراوي والسدرة تمر بثلاث محطات زمنية رئيسية تُبنى عليها هيكلية النص:
١ – الطفولة والاندهاش (زمن الذهاب للمدرسة)
في هذه المرحلة، كانت الشجرة “منحنية خارج جدار معمل، كأنها تنتظرني”. هذا التجسيد يجعل الشجرة كائناً حياً يحمل مشاعر، يعكس حالة من الاتصال السري والفريد بين الراوي والشجرة، وشعور الراوي بالتميز: “كأني الوحيد الذي اكتشفها”. هنا، الشجرة هي رمز البراءة ورفيقة الدرب اليومية.
٢ ـ زمن الأزمة والاحتياج (أيام الكورونا)
في ظل جائحة الكورونا، حيث كان “نخشى فيها من الاقتراب لبعضنا”، يعود الراوي إلى الشجرة، مصطحباً “الأحفاد”. هذا التحول عميق؛ فالشجرة تصبح ملاذاً آمناً وتقليداً يتم نقله للأجيال. في زمن الخوف الإنساني العام، يعود الإنسان إلى الطبيعة النقية ليجد فيها الأمان والحياة (“نلتقط أو نهزها فتجود”)، حتى وهي “مقزمة تختفي بين الأعشاب”، دلالة على أن جوهرها يبقى حياً على الرغم من انحسار مظاهرها.
٣ ـ زمن الاكتشاف العميق (بعد عشرات العقود)
هذه هي مرحلة التبصر والنضج. لم يعد الاهتمام بالثمار أو الظل، بل بالجوهر الثابت: “اكتشفت جذورها الأفعوانية الصلبة”. هذا الاكتشاف ليس مادياً فحسب، بل هو إدراك للثبات في وجه الفناء، واعتراف بقوة البقاء.
ثالثا:
ذروة النص: “الجذور الأفعوانية”
تعد صورة “الجذور الأفعوانية الصلبة” هي الذروة البلاغية والتحليلية في النص.
»• “أفعوانية”:
تشير إلى الحركة والالتواء، وإلى القوة الغامضة الكامنة تحت السطح، وربما تلمح إلى الخلود أو الحكمة الملتفة كالحية في الأساطير.
»• “الصلبة”:
تؤكد الثبات والقوة التي لا تهزمها عوامل الزمن أو الجفاف.
إن اكتشاف هذه الجذور في “نهير صاف” و”البستان المهجور”، حيث يسبح “الحيوان الصدفي”، هو اكتشاف لمصدر الحياة الحقيقي. بعد رحلة طويلة من الصعود، والرمي، والظل، يكتشف الراوي أن القيمة ليست في القمة المرئية (الثمر، الظل)، بل في الأصل الثابت الذي يمدها بالحياة تحت الأرض، في مكان لا يراه إلا المتأمل.
الجذور هنا ترمز إلى الأصل، والثبات، والهوية الحقيقية للراوي نفسه، الذي يعود ليجد جذوره الخاصة في هذا البستان المهجور، متصلاً بالحياة الصافية (النهير) والماضي العريق (الحيوان الصدفي).
خاتمة:
عودة إلى الأصل
النص هو رحلة معرفية قام بها الراوي نحو شجرة السدر، انتهت بتحول في الرؤية. لقد بدأ بالاحترام الموروث، مروراً بالاستفادة العاطفية والمادية، وصولاً إلى الإدراك العميق. يختتم النص بتأكيد أن القيمة الحقيقية لكل شيء هي في صلابته وقدرته على التواصل مع منابع الحياة، حتى لو كان متخفياً في بستان مهجور. هذه القراءة الفلسفية للشجرة تجعل النص قصيدة نثرية عن الوفاء، والصمود، وقوة الجذور.
……….
اكتشاف الجذور الافعوانية)
شجرة السدر تسلقناها صغارا
لم نصارعها بفأس فقد قيل لنا انها مقدسة
يمر عليها عمال البناء والصيادون والصغار
فيرمونها بالنعل والحجر
فتجيبهم بثمرها
او تعانقها الريح بقسوة
فتنثر كراتها الصفر على الاسفلت
وتحجز اكياس النايلون ورسائل العشاق والصخور الصغيرة واحزمة الحقائب البالية والعلب الصدئة..
مأوى للطيور والاعشاش
واغصانها مصائد للاسماك
وظل للفلاح بعد تدفق العرق
وتماثيل شجرية متخشبة بعد مواسم الجفاف
كل ضحى في طريقي الى المدرسة
الاولى كنت امر بها منحنية خارج جدار معمل ،كأنها تنتظرني
كأني الوحيد الذي اكتشفها
ايام الكورونا كنت اقصدها مع الاحفاد وهي مقزمة تختفي بين الاعشاب
نلتقط او نهزها فتجود…
في تلك الايام التي كنا نخشى فيها من الاقتراب لبعضنا.
بعد عشرات العقود اكتشفت جذورها الافعوانية الصلبة
تمتد في نهير صاف
حيث تحاصرها الاعشاب
ويسبح جوارها الحيوان الصدفي
في البستان المهجور.