هُوَ غَيْمَةٌ نَزَلَتْ لِفَرْطِ هُيَامِ
لِتَنَامَ بَيْنَ عَبَاءَةِ الأَيْتَامِ
يَمْشِي فتَتْبَعُهُ السَّوَاقِي مِثْلَمَا
يمْشِي الصِّغَارُ وَرَاءَ سِرْبِ حَمَامِ
مَا حَطَّ عُصْفُورٌ عَلَى أَكْتَافِهِ
إلَّا تمثَّلَ وَقْفَةَ الأصْنامِ
قَلْبٌ إِذَا مَرَّ النَّسِيمُ بِبَابِهِ
أَلْقَى عَلَيْهِ تَحِيَّةَ الإِسْلَامِ
يَغْفُو لتَأْمَنَ قُبَّرَاتُ حُقُولِهِ
وَتَنَامَ بَيْنَ أَصَابِعِ الإِبْهَامِ
عَرَفَتْهُ أَسْرَابُ الأسَى فَتَجَمَّعَتْ
لِتَرَى أَبَاهَا فِي ثِيَابِ غُلَامِ
ما همَّ يَشْكُو للمَساءِ حَنِينَهُ
إلَّا رأَى فِي اللَّيْلِ وَقْرَ إِمَامِ
فَيَعُودُ يَكْتُمُ حُزْنَهُ مُتَأَدِّبًا
أَدَبَ الصَّغِيرِ بِحَضْرَةِ الأَعْمَامِ
جَسَدٌ مِنَ القَصَبِ النَّحِيلِ إِذَا بَكَى
كَانَ البُكَاءُ كَرَنَّةِ الأَنْغَامِ
باكٍ عَلَى نِيلِ الشَّمالِ كَأَنَّهُ
طِفْلٌ أَضَاعَ أَبَاهُ وَسْطَ زِحَامِ
مُذْ ذَاكَ تَخْشَعُ فِي ظَماهُ مَنابِعٌ
كَخُشُوعِ سُجَّادٍ ببَيْتِ حَرَامِ
مَاذَا جَنَى؟ كَيْ يَسْتَحِقَّ شَتاتَهُ
وَهْوَ الَّذِي لَمْ يُؤْذِ فَرْخَ يَمامِ!
فَرَشَ الطَّرِيقَ لَهُمْ حُقولَ مَوَدَّةٍ
فَرَشُوا لَهُ حَقْلًا مِنَ الألْغامِ
يَرْمُونَهُ بالشَّكِّ وَهْوَ يَرُدُّهُ
وِرْدًا وَأَدْعِيَةً بِحُسْنِ خِتَامِ
يَا وَيْحَ هذِي الأرْض تَطْرُدُ نَهْرَهَا
وَتَضُمُّ كُلَّ قُمَامَةٍ وَرُكَامِ
زَهِدَتْ أَصَابِعُهُ بِكُلِّ حَصَادِها
وَمَضَى خَفِيفًا دُونَ نَيْلِ مَقَامِ
كُلُّ الَّذِي يَرْجُوهُ سَاقِيَةٌ تَدورُ
تَقُصُّ سِيرَتَهُ عَلَى الأيَّامِ