إنّ قراءة قصيدةٍ شعرية، أو ديوانٍ كامل، ليست فعلًا تلقّيًا ساذجًا ولا انطباعًا عابرًا تُمليه اللحظة الوجدانية وحدها، بل هي ممارسة ثقافية وجمالية تستلزم قدرًا من الوعي المنهجي، حتى لا تتحوّل القراءة إلى تذوّق غائم أو إعجاب لا يستند إلى أسس واضحة. وقد عبّر الناقد الفرنسي رولان بارت عن هذه الفكرة حين قال: “ليس النص كيانًا مغلقًا، بل نسيج من العلاقات، لا يكشف نفسه إلا بقراءة واعية.”
من هنا تنبع الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـشبكة أسئلة توجّه القراءة وتمنهجها، وتمنح القارئ أدواتٍ لفهم العمل الشعري في بنيته العميقة، لا الاكتفاء بسطحه البلاغي أو موسيقاه الظاهرة فقط.
وتتكوّن هذه الشبكة من عناصر جوهرية تُعدّ من المفاتيح الأساسية لولوج النص الشعري، من أبرزها: درجة الخيال، رؤية الشاعر، آليات التصوير، والقدرة اللغوية.
أولًا: درجة الخيال في القصيدة:
الخيال هو منبع الشعر وسرّ فرادته. فالقصيدة لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله عبر مخيّلة الشاعر، فتمنحه بعدًا رمزيًا أو أسطوريًا أو حلميًا. وقد عبّر صموئيل تايلور كولريدج عن ذلك بقوله: “الخيال ليس تزيينًا للواقع، بل إعادة خلق له.” ومن ثمّ يُطرح السؤال:
هل يعتمد الشاعر على خيال تصويري مباشر أم على خيال رمزي كثيف؟
هل تنزع القصيدة إلى الحلم والسوريالية أم تظلّ متّصلة بعناصر الواقع المألوف؟
هل الخيال هنا توليدي أم تزييني؟
مثال تطبيقي:
يقول الشاعر السوري أدونيس:
“أُولدُ في الريح
وأكتبُ بالبرق
وأمحو ملامحي في الطوفان”
في هذا النص لا نتعامل مع صور واقعية مباشرة، بل مع خيال كوني يتجاوز المحسوس إلى المجرد، فيغدو “الريح” رحمًا جديدًا، و”البرق” قلمًا، و”الطوفان” ممحاة وجودية.
هنا يصبح الخيال توليديًا لا وصفيًا.
في المقابل، حين يقول شاعر تقليدي:
“وجهك كالبدر”
فنحن أمام خيال تزييني مستهلك، فقد طُرقت هذه الصورة حدّ الابتذال.
فكلّما كان الخيال مبتكرًا، اتّسع أفق التأويل، وعاش النص طويلًا.
ثانيًا: رؤية الشاعر (الرؤية الفنية ورؤية العالم)
تنشطر رؤية الشاعر إلى مستويين:
1. الرؤية الفنية:
وهي متعلّقة بثقافة الشاعر الشعرية، وانتمائه الجمالي، ومدى إلمامه بتقاليد الشعر.
نسأل هنا:
هل يكتب الشاعر عموديًا أم حرًا؟
هل يُجدّد في الأوزان والصور؟
هل يُفكّك اللغة أم يعيد إنتاجها؟
مثال:
شعر محمود درويش يكشف تطورًا فنيًا واضحًا. ففي بداياته:
“سجل!
أنا عربي…”
لغة مباشرة، خطابية.
لكن في أعماله المتأخرة يقول:
“نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”
انتقل من الشعر الأيديولوجي إلى شعر الوجود الإنساني.
2. رؤية العالم:
وهي الإطار الفلسفي والاجتماعي الذي يرى الشاعر من خلاله الوجود. و هي مظهر من مظاهر الوعي بمحيط الشاعر والالتزام بقضاياه.
نسأل:
هل العالم مظلم؟ أم عبثي؟ أم خلاص؟
هل الإنسان ضحية أم فاعل؟
هل القصيدة احتجاج أم تصالح؟
مثال:
نزار قباني في شعره السياسي يقول:
“إذا خسرنا الحرب لا غرابة
لأننا ندخلها
بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة”
هنا تظهر رؤية سياسية ساخرة ترى الهزيمة نتيجة ثقافة زائفة.
بينما يقول السيّاب:
“الشمس أجمل في بلادي من سواها”
فنرى رؤية وجودية ممزوجة بالحزن والحنين.
ثالثًا: درجة التصوير وآلياته: هو رسم بالكلمات لما يشعر به الشاعر أو يتخيّله. لهذا يقال بأن الشعر يُفكّر عبر الصورة قبل الفكرة.
ونسأل:
هل الصورة حسية أم ذهنية؟
هل هي استعارة، كناية، رمز؟
هل تخدم المعنى أم تثقله؟
مثال للصورة الذهنية:
يقول أنسي الحاج:
“كنت أمشي داخل عقلي كمدينة مهدّمة”
الصورة هنا نفسية لا حسّية، وتمدّنا بإحساس داخلي لا مشهد خارجي.
مثال للصورة الحسية:
قول امرئ القيس:
“كأنّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا
لدى وكرها العناب والحشف البالي”
هنا التصوير بصريّ حسيّ مباشر.
رابعًا: القدرة اللغوية تمثل نَفَسَ الشعر وينظر إليها من زوايا متعددة:
المستوى المعجمي:
هل المفردات جديدة أم مستهلكة؟ درويش:
“أحنّ إلى خبز أمي”
لغة بسيطة… ولكن طازجة.
المستوى النحوي:
التركيب أداة إيحاء: يطيل الشاعر الجملة ليخلق توترًا، أو يقطعها لإحداث صدمة.
من قصيدة للشاعر أنسي الحاج:
“أحبّكِ
كأنكِ آخر ما تبقّى من الحياة
وأكرهكِ
لأنكِ الحياة.”
وجه الصدمة هنا:
الشاعر يبني توقّعًا عاطفيًا إيجابيًا (“أحبك”) ثم ينقلب فجأة إلى نقيضه (“أكرهك”)، لتأتي الجملة الأخيرة كطعنة دلالية: “لأنكِ الحياة”، فيختلط الحب بالكراهية داخل معنى واحد.
المستوى الصرفي:
التصريف يمنح الدلالة نبضًا: مثل استخدام صيغة المبالغة، أو التكرار الاشتقاقي.
توظيف صيغة المبالغة:
يقول حسان بن ثابت :
“وإنّك لَعَفُوٌّ عن ذوي الجهلِ والخَطا
وإنّك لَغَفَّارٌ لذنبِ المذنبِ”
صيغ المبالغة هنا:
عفوّ (فعول): كثير العفو.
غفّار (فعّال): كثير المغفرة.
أوضح مثال صريح للتكرار الاشتقاقي (من المتنبي أيضًا):
“على قَدْرِ أهلِ العَزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قَدْرِ الكرامِ المكارمُ”
الجذر (ع ز م):
العزم/ العزائم
جذر واحد بصيغتين مختلفتين = تكرار اشتقاقي.
كما في قول درويش:
“ونسيتُ ماذا كنت أفعل في الصباح”
فالفعل يدل على ضياع الذاكرة لا الحدث.
إن القراءة الشعرية الجادّة ليست فعلًا بريئًا، بل نشاط معرفي وجمالي مزدوج، يتجاوز الانفعال إلى التفكيك، واللذة إلى الفهم. إن شبكة الأسئلة ليست قيدًا على المتعة، بل جسرًا نحوها.
وكما قال بول ريكور:” النص لا يُعطي نفسه إلا لمن يسأله جيدًا.” فالشعر لا يُقرأ بعين واحدة، بل بعين: تذوق، وعين تحليل، وعين تأويل.
حينها فقط تتحقّق القراءة بوصفها فعل معرفة، لا مجرّد انفعال عابر.
موسى مليح
كلمة ألقيتها في المتلقى الشعري المنظم من طرف جمعية مدارات الثقافية بدار الثقافة آيت أورير.يوم السبت 29 نونبر 2025