في كلّ سردٍ يولد من رحم الدهشة، ثمة همسةٌ أولى تُشبه ارتجافة النور حين يلامس جدار الظلام. ومن بين هذه الهمسات تخرج ” أسطورة سنجابي” كأنها العتبة التي يقف عليها القارئ قبل عبورٍ سرّي نحو عالمٍ لا تُقاس فيه الأشياء بميزان الإنسان، بل بميزان الروح، وببوصلة فطرية لا تعرف الزيف ولا تستجيب لمكر العقل حين يزيّن غروره .
هذا النص ليس روايةً عن حيوانٍ صغير يعبر الأغصان، بل هو سيرة داخلية لكائنٍ أدرك الوجود قبل أن يدرك اسمه. سنجاب تركية لوصيف ليس رمزاً ولا استعارة، بل هو كائن فريد ينظر الى العالم لعينٍ لم يخطّ عليها اليشرُ خطاياهم بهد بعينٍ . هو شاهدٌ رقيق على صراع الحياة، وجنديّ وحيد في معركة البقاء، وطفلٌ كونيّ يتلمّس معنى الحركة والظلّ والخوف والحبّ من دون أن يتورّط في سطوة العقل التي كبّلت الإنسان .
في هذا العمل، يتكلم الحيوان لا ليُقلّد البشر، بل ليُذكّرهم بما فقدوه حين غادروا الغابة : حكمت الصمت، وصدق الفطرة، وخفّة المعنى . فالسنجاب هنا ليس راوياً محايداً، بل هو صوت الطبيعة حين تستعيد لغتها القديمة ، لغة ما قبل الكلمات، وما قبل الجرح، وما قبل أن تنكسـر الحياة تحت ثقل الأسئلة .
تجعل تركية لوصيف من الغابة مسرحاً وجوديّاً يتواجه فيه الكائن مع مصيره. كلّ غصنٍ يلوّح له يعلّمه درساً، وكلّ فريسة وكلّ مطاردة وكلّ حبة جوز يخفيها تحت التراب تتحوّل إلى علامة روحية عن الخوف والطمأنينة، عن التملك والفناء، عن هشاشة الجسد واتساع الروح .
إنّ القارئ سيدرك سريعاً أن السنجاب ليس شخصية، بل وعاء للحكمة ، وأن الغابة ليست مكاناً بل مرآة تعكس أطياف الإنسان نفسه .
إنّ ” أسطورة سنجابي ” ليست أسطورة بالمعنى التقليدي، بل هي محاولة لإعادة كتابة العلاقة بين الكائن ووجوده . فالحيوان هنا ليس تابعاً للإنسان ولا مكمّلاً لقصته، بل هو ذاتٌ كاملة، ترى وتبصر وتغضب وتشتاق وتدهش؛ ذاتٌ تعرف أن النجاة لا تكتمل إلا حين يتصالح الكائن مع ضعفه، وأن القوة ليست سوى ممرّ ضيق يعبره الخوف كي يصنع معنى جديداً للحياة .
وهنا تكمن القيمة الفلسفية للعمل ..
أنّه يُنشئ وعياً من خارج الوعي البشري، ويمنح القارئ فرصةً ليعيد النظر في ذاته من خلال عينٍ لا تُشبهه . فالسنجاب يرى العالم لا بمعايير الهيمنة، بل بمعايير الحاجة. لا بمعايير العقل، بل بمعايير الإحساس . لا بمعايير السيطرة، بل بمعايير التناغم مع الوجود .
ومن هذا التباين تنشأ الأسئلة الكبرى ..
هل نحن نعيش حقاً كما ينبغي؟
أم أن الكائنات الصغيرة التي نزعم أنها أدنى، تحمل في أعماقها ما فقدناه باطمئنانٍ غريب؟
لقد كتبت تركية لوصيف عملاً لا يقوم على الحدث، بل الوعي الذي يتشكل خلف الحدث . وواجب الترجمة هنا لم يكن نقلاً للغة فحسب، بل نقلاً للروح التي تتخفّى بين السطور . روحٌ دقيقة، مرهفة، تسير بخطواتٍ خفيفة كتلك التي يتركها السنجاب فوق لحاء الشجر .
لهذا، عُنيتُ في الترجمة بأن تبقى النبرة حيّة، وأن تظل الحكمة هامسة كما هي، وأن ينتقل القارئ العربي إلى عالم النص بلا تشويه ولا اصطناع، كما لو أنّ الأصل كُتب بالعربية منذ البدء .
إنّ هذا الكتاب ليس درساً أخلاقيّاً ولا ملحمة بطولية، بل رحلة تأملية ، تخرج فيها الكائنات من صمتها لتصبح معلمين صغاراً للحياة . رحلة تشير إلى أن الكون ليس ملكاً لأحد، وأن الحكمة موزّعة بالتساوي بين كلّ نفسٍ تتنفس، وأن الكائن، مهما صغر حجمه، يحمل في داخله ,أسطورته الخاصة التي يستحق أن تُسمَع .
ولعلّ أجمل ما يقدمه هذا العمل أنه يعلّمنا الإصغاء . الإصغاء لما نمرّ به وننساه، لما نسحقه دون أن نراه، لما يتنفس إلى جانبنا دون أن نمنحه الحقّ في الوجود . ومن خلال هذا الإصغاء نتعلّم أننا لسنا مركز الكون، وأنّ القصة التي نرويها عن أنفسنا هي مجرد فصل صغير في رواية أكبر، رواية تتشارك في كتابتها الأشجار والحيوانات والرياح والغبار .. وكلّ ما يتحرك في هذا الكون الواسع .
بهذه الروح، أقدّم للقارئ هذه الترجمة، راجياً أن يجد في ” أسطورة سنجابي ” ما وجدته أنا من صفاء، ودهشة، وحكمة تنبت من مواضع لا تُتوقّع . وأن يتذكّر، مع كل صفحة، أن للحياة وجهاً آخر لا نراه إلا حين نصغي لصوتٍ يأتي من بعيد ..
صوت كائن صغير، يعلّمنا أنّ الأسطورة ليست ما نخلقه نحن، بل ما تُعيد الطبيعة كتابته فينا كلما ظننا أننا فهمنا العالم ..