نزلت الشابة الفرنسية من الكراڤان، دخلت المقهى وطلبت من النادل قهوتيْ نورمال، جالت بنظرها في المقهى فإذا بها تراني أَتناول وجبة الغذاء، وما لفتها مقدار القطط التي تحلقت حولي، وتقاسمي لغذائي معها…واتجهت نحوي، ثم قالت بلغة فرنسية صافية: بونجوغ ميسيو
قلت: بلغة انجليزية متلكئة: عذرا لا أتحدث الفرنسية جيدا.
ردت بانجليزية غير صافية: عجيب، معظم المغاربة يتحدثون الفرنسية..
وفي الوقت نفسه كانت تذاعب القطط المتحلقة حولي، وتُخاطِبُها بصوتٍ عذب رقيقٍ، كأنها طفلةٍ متحمسة..
قُلْتُ: الجيل السابق من المغاربة كانوا يتحدثون الفرنسية، بينما الجيل الحالي ينفر منها ولا يراها لغة تستحق أن يُبْدَلَ مجهود في سبيل تعلمها…إن الجيل الحالي جيلٌ واقعي وبراگماتي كاللغة الانجليزية تماما..
قالت: الجيل السابق يُتقن الفرنسية لأنه درس عند أساتذة فرنسيين..
فهِمتُ من كلامها أنها سائحة تعرف تاريخ المغرب جيدا، وتعرف أننا انهزمنا على يد الفرنسيين زمن الحماية وكنَّا خاضعين لهم ردحا من الزمن، ومن هذا المعطى التاريخي تستمد شعورها بالتفوق..
قلتُ لها: كم قضيت في المغرب؟
قالت: أتردد عليه، بين الحين والآخر..
وأضافت: وأحب جميع أركانه وأقطاره..
قلت: وهل بذلت مجهودا في تعلم لغتاتنا اليومية، هل حاولت اتقان الدارجة أو الأمازيغية…
قالت بانجليزية متلكِّئَةٍ: حاولتُ، لكنني أجدُها صعبةً..
قُلْتُ: لا مُشكلة…
دَعوتها مرة لأخرى لتتشارك معي طبق الكفتة المشوية، لكنها شكرتني مرة أخرى، والتمست مني أخذ قطعةً لتُطعِمَ بها قطة عزلاء منبطحة تحت أشعة الشمس، فسمحت لها.. وعادت ناحيتي، وكان النادل قد أتاها بفنجاني نورمال، وأخذت تنظر إلي وأنا أتناول غذائي، كأنها تود إضافة شيء ما، ولكنها لمَّا فهمت من صمتي انعدام نيَّتِي في مواصلة الكلام، قالت لي بالفرنسية: شهية طيبة…
أجبتها بالفرنسية: شكرا لك..
ابتسمت ثم سألتني: ما اسمك بالمناسبة؟
قلتُ: الحسين وأنتِ
قالت: لِيْزي…
قلتُ لها: nice to meet you
فذهبت..
لقد كانت شابة فرنسية جميلة، فضولية، لا أظنها تتردد على المغرب كثيرا، لأنني لما سألتها عن أسماء بعض المدن ادعت أنها تفكر وتحاول التذكر، في حين أن أمر تذكر المدن ليس بالأمر الصعب، ولا سيما من قِبَلِ شابة فرنسية مِثْلَها تلاحظ كل صغيرة وكبيرة.. وحين سألتها لماذا لم تحاولي تعلم الأمازيغة أو الدارجة المغربية، أو على الأقل اللغة العربية، أجابت إجابة كاذبة في نظري، حين قالت: إنها لغتكم صعبة… محاولة إخفاء إجابة تؤمن بها ويؤمن بها أي سائح فرنسي وأجنبي، “نحن متفوقون عنكم، لقد استعمرناكم وترك أجدادنا إرثهم الحضاري هنا، وما تزال بعض المعالم والبنايات شاهدة على هذا، وبالتالي فأنتم ملزمون بإتقان لغتنا وملزمون بتمدرسها منذ المراحل المبكرة للتعلم”
شخصيا أرى أن معها حق، في أن تفكر بهذه الطريقة، ولا سيما أن اللغة الفرنسية ما زالت هي اللغة الأجنبية الأولى في مقررنا الدراسي، يتعلمها الطفل منذ نعومة أضافره وللأسف يعرفُها أكثر مما يعرف اللغة العربية….والفرنسيون يعرفون هذا، ويتناقلونه فيما بينهم…
الحوار مع ليزي ليس مجرد حوار بين سائحة فرنسية وشاب مغربي بل هو حوار مع نسقين حضاريين، الأول: متضخم الأنا والثاني: لا يقلُ كبرياءً.. الأول؛ راضٍ عن تاريخ أجداده، ويستمد منه التفوق، والثاني؛ يلتمس العذر لتاريخه لكنه يؤمن بالحاضر وبإمكانية تشييد صروحٍ متينة تحمي كبرياءنا الحضاري وتوفر الاحترام الذي يليق بهويتنا..