ببسمةٍ تعلو محيّاه، وهو يحاول تحضير فطوره للانطلاق إلى العمل، كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا. صبيب الشمس يشقّ الأفق ببطء،والبرد يلامس خدّه الخشن، قطرات الندى تتساقط بهُوادة. وقف أمام علامة “قف”، كأنها تُذكّره كلّ صباح أن حياته متوقفة هنا، بين الانتظار و الضمور.
ظهرت سيارة Suzu القديمة، تحمل على ظهرها وجوهًا شاحبة أجسادًا أنهكها تعب الأيام و نتؤات الدهر و عنفوانه، وأحلامًا ذبلت في صمت الحقول. صعد إلى المركبة،قام بتحية رفاقه ، وتمكّن من تأمين مكان بين الأكتاف المتراصة. انطلقت السيارة نحو الضيعة… نفس الطريق، نفس الضحكات، نفس الأغاني الهوارية التي يحاولون بها خداع الألم المنغرس في فؤادهم، وكسر رتابة اليوم السوداوي القاتم.
في الخلف، كان يراقب بصمت. ليس كثير الكلام يكتفي بالابتسامة فقط،ثم الإنصات ، لكن شيئًا داخله كان يصيح … إلى متى؟
وصلوا إلى الضيعة تلك البقعة المنسية التي يدفن فيها الشباب أحلامهم. هناك، وسط المستنقعات ، صوت المراقب الجوهري كعادته يغطي المكان، لا ظلّ يقيهم أمام أشعة الشمس الحارقة التي لا ترحم ضعفهم.
كان يعمل بجدّ، قليل الاحتكاك بالناس وفي الجهة الأخرى كان زميل له يتذمّر، ينفث غضبه في الهواء. بينهما صندوق، صندوق اللوبيا الخضراء كان كافيا لأن يشعل فتيل الغضب
و نشوب شجار، تصاعدت الأصداء، ثم……طعنة.
سقط، يده لا تزال تمسك بقرن لوبيا خضراء، وعيناه تتشبّثان بالسماء كأنها مخرج النجاة. عمّ الصمت، إلا من شهقات بعض العمّال، الأنفاس تتصاعد بسرعة…. فرار… ثم صدمة.
ضاعت حياة شاب، كما ضاعت أعمار كثيرة قبله، بين مستنقعات الحقول البالية… حيث لا عدالة، ولا حلم، ولا غد.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد صندوق اللوبيا مجرّد وعاء… بل صار شاهِدًا على خيانة الصداقة وضياع الشباب في زمنٍ لا يرحم.