جفَّت أنهار اللبن السارية بصدرها؛ بعدما احترف أبي فن التقتير هزلَ قوامها؛ فرضعتُ وإخوتي من نهدها الفارغ رائحة اللبن.
لكنها كَلَّتْ.. ملَّتْ.. ضجَّتْ.. صرختْ.. انفجرتْ.. أصرت…فانهار البيت على ساكنيه.
رحلتْ،…تركتنا نقاسي تلاطم أمواج بُخله الذي ضنَّ علينا بمائه ولحمه الطري.
قبل أن يجف مداد تلك الورقة التي فازت بها أمي، وقد بللها نزف عمرنا، حينها كانت تُكتب ورقة أخرى بحروفهِ السعيدة.
أحضَرَها.. نسيج جديد يريد أن يلتحم بأنسجتنا لكنها لفظته ،ولأنني أكبر ثماره الجافة استعبدتني، صرت أخدم أيامها، أصبحتُ ثرًى تدهسه بقدم أوامرها، لكن الثرى انتفض وصار غبرة عتَّمت مناخ بيتنا؛ فطردنا بيده أخذت إخوتي ورحلت.
رحلتُ إليها.. صاحبة الدفء التي تركتنا نقاسي برودة بُعدها وصقيع بُخله ،عشنا معها بعدما سَمحتْ لقاربٍ غريب باصطياد نفائس أعماقها ليستخرج لآلئها، بالرغم من وجوده القاتم عاد الحنان يسري بشرياننا ممزوجًا برضاب حبها.
تمر الأيام…
يتعجل قطار حنانها الرحيل؛ لتهجر محطات قلوبنا التي لم تشبع منها وصفير الرحيل يسكن آذاننا وقد كان آخر ميراث تركه لنا قطارها الأمومي.
لنجد أنفسنا مع رجل غريب لا نعرفه تكاد ملامحه تصرخ بالرحيل؛ فتثور أمواج غضبه ليغمر شواطئنا الحزن والضياع.
توسلتُ إليه أن يعطيني فرصة حتى أجد عملًا يقينا مر الحاجة فوافق على مضض.
عاد يومًا…
فاقدًا إنسانيته ليُعرِّي ليلي ويغطيني بالدنس، صرختُ إلى الداخل صرخات ضربت كل خلجان ضياعي لكني لم أدع صرخاتي الضالة تتسل فتغتال نوم إخوتي.
كلما عاد كان لعودته كابوس يوقظ كل خفافيش الظلام الجارحة لتنهش سماواتي بعدما ذبح برائتي ووأدني بقبر دنسي.
يومًا…دعا أصدقاءه لسهرة مع الشيطان؛ فوضع ما تبقى مني في طبق وألقاني فوق مائدتهم.