أنا أغنى رجل في العالم!
الأديب عبد الكريم العامري
————–
حين أمدّ يدي في جيبي، ولا أجد شيئاً،
أشعر أني أغنى رجل في العالم !
ليس لديّ حساب بنكي،
فالبنوك لا تستسيغ سحنتي.
ولا امتلك عقارات، أو شركات..
فشركتي لا تدرّ الا الحب.
وليس لدي خزانات ملابس كبيرة،
خزانتي صغيرة، تكفي لقميصين من زمن الحصار.
لا أرتاد المطاعم الفاخرة..
تكفيني شطيرة فلافل من صاحب العربة عبدون.
ولا أغفو على سرير في فندق بلازا أثيني،
يبهرني النوم في عرزال بعيد.
لا أجالس أصحاب النفوذ، فأنا لا أجيد استعمال الأقنعة..
و لا أعقد الصفقات، كي لا أفقد قيمة نفسي.
ولا أعرف قيمة برميل النفط ، لكني أعرف وجوه المصابين بالسرطان.
أشعر أني اغنى رجل في العالم!
أغنى من الأمريكي جيف بيزوس، وأغنى من مواطنه بيل غيتس،
بل أغنى من الوليد بن طلال..
غنيّ بما أملك.!
قربٌ من الله، وحلمٌ لم ينقطع.
غنيّ بك، أيتها البعيدة/القريبة.
غنيّ بك، يا لغتي، وأحاسيسي.
غنيّ بنظراتك التي تلهمني، وصوتك الذي يثيرني.
غنيّ بوجهك المعجون بالنهار.
غنيّ برسائلك الصباحية، والمسائية.
غنيّ بذكراك، وهي تعيش بي، تحفّزني على أن أبقى.
نعم، سأبقى غنياً بك.
الأديب عبد الكريم العامري
أديب وصحفي وكاتب مسرحي عراقي
ورئيس تحرير مجلة بصرياثا الثقافية الادبية
************^^^^^************
رسالة نقدية مختصرة
:إلى الأديب الاستاذ عبد الكريم العامري
إعترافك «أنا أغنى رجل في العالم»
لا يُقرأ بوصفه مفارقة لغوية فقط،
بل يُستقبل كـ موقف وجودي مكتمل.
أنت لا تعلن الغنى من باب السخرية، بل من موقع تجربة عاشتها الروح قبل أن يمرّ بها الجسد. الجيب الفارغ في نصك ليس علامة نقص، بل مساحة حرّة لا تُثقلها شروط السوق ولا أوهام الامتلاك.
أحسب أنك وفّقت في تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى قيم عليا :
قميصان من زمن الحصار،
شطيرة فلافل،
عرزال بعيد…
هذه ليست صورًا عابرة، بل ذاكرة جمعية مكتوبة بلا خطاب سياسي، وبلا صراخ. هنا تكمن قوة النص:
أنه يقول الألم دون أن يطلب الشفقة.
اختيارك عدم مهاجمة الثروة بشكل مباشر يُحسب لك جماليًا؛
فأنت لا تدين المال،
بل تعرّيه من سلطته الأخلاقية.
البنوك،
الفنادق،
أصحاب النفوذ،
الصفقات…
جميعها تمرّ في النص لا كخصوم،
بل كعوالم لا تشبهك.
وهذا وعي ناضج،
لا موقف انفعالي.
التحوّل الأجمل في النص يحدث حين ينتقل الغنى من المفهوم إلى العلاقة:
غنيّ بك، أيتها البعيدة/القريبة
هنا يصبح الحب فعل بقاء، لا استعارة رومانسية.
المرأة، اللغة، الذكرى، الصوت، الرسائل…
كلها تتحول إلى رأسمال روحي
يواجه عالمًا يُقاس بالأرقام.
لقد نجحت كثيراً في أن تجعل العاطفة غير مبتذلة، لأنها جاءت امتدادًا لفلسفة النص لا زينة له.
مقارنتك بأسماء كبار الأثرياء
لم تكن زائدة، بل جاءت لتفريغ فكرة الغنى من معناها الاستعراضي، وإعادتها إلى أصلها الإنساني: القرب من الله، الحلم المستمر، والقدرة على البقاء دون أن تفقد نفسك.
إعترافك واضح، صادق،
خالٍ من التكلّف، ويستمد قوته من الانسجام بين الفكرة واللغة.
وربما مزيته الكبرى
أنه لا يدّعي بطولة،
بل يقدّم كرامة هادئة
لإنسان يعرف ما الذي لا يريد أن يخسره.
تحية لاعترافك الذي يعرف أن الغنى الحقيقي ليس فيما نملكه…
بل فيما لا يستطيع العالم أن ينتزعه منا.