صانع المجد والبهجة بقلم: جاسب عبدالمجيد/ العراق
رتبٌتُ المساحة على ساحل البحر البعيد, ودار شريط الذكريات في رأسي , أعدتُ رسم الشناشيل وشجرة آدم وشارع الهنود , ثم رسمت بأصبعي “الهباشات والهيوة والخشابة والسامري “, فسمعت إيقاعات مدينتي , عندها هزني الشوق إلى تلك الفرقة التي قدمٌت أروع الفلكلور في ربوع العالم .. حاصرني وجه صانع هذا الإرث الفني الكبير .. حاولت أن أرسم وجهه الأسمر وطوله الفارع , لكن الدمع بلٌل لوحتي , استجمعت قواي ووضعتُ على خصري ” وزرة ” الصيادين بعد أن حدٌدت أبعاد المسرح ورحتُ أؤدي دوري في تلك اللوحات الخالدة..أستمعُ الآن إلى تصفيق الجمهور المُحب للفن والفلكلور .. انحنيت لهذا الجمهور الراقي , حاولت أن أنهي اللوحة , لكن أصبعي لم يُطعني رافضا إغلاق الستارة , وظل يرسم ملامح المدينة على قطعة الرمل ..تعبتُ من الرقص وجاء الدور الآن على “الطواشات” اللوحة التي صفقنا لها طويلا ووقفنا لها احتراما وتقديرا .. إنها صناعة التمور في بداياتها , و مدينتي تحتضن في بساتينها أطيب وألذ أنواع التمور ..جمعت بين عمل هذا المبدع البصري ودراسة الجاحظ يوم قال “في مدينتنا 360 نوعا من التمور , وهذا الإنتاج الهائل كان يفيض عن حاجة البلاد , لهذا اهتموا بتصدير كميات كبيرة منه إلى الخارج” .. هبّت ريح فحذفت اللوحة بأكملها .. رحت أرسم بقايا الملامح ..رأيت النخل يبحث عن ملجأ , لكن لا ملاجئ للنخيل , وعلى النخل أن يستشهد واقفاً, يا لها من لوحة , لم يرسم أصبعي سعف النخل ولا العذوق , كانت الشظايا قد حرمت رؤوس النخل من الحياة .. تركت دمعي على كل جرح , لكن الدمع لا يصلح للعلاج في مثل هذه الحالات ..
أمرتُ أصبعي برسم عجلة الإسعاف التي نقلت صانع المجد من مدينتنا إلى المدينة الطبية في العاصمة بغداد.. هناك مكثنا طويلا , وعندما أصبح مبدعنا مُقعدا لا يستطيع الحراك , استخدم كرسيا يتجول بواسطته في ساحة المستشفى .. لمح سيارة أجرة , ظهر صوته للمرة الأولى وأومأ بيده .”.أريد مدينتي .. أريد سدرة العشاق وشجرة البمبر , أريد ساحل الفرح , وأريد أن أكمل بقية اللوحات , هناك جزء من العالم لم ير فلكلورنا بعد ..ثم غنى ” أحيا وأموت ع ال….” أيها السائق تمهل خذني معك للطواشات والهباشات , خذني لصيادي الفرح .. تـمهل أيها السائق .. تمه.. تم.. ت .. هنا ودعت المدينة طالب جبار … ودعت الحضارة صانع المجد والبهجة.
——
طالب جبار… حين يتحوّل الفلكلور إلى قدر إنساني بقلم: فتحي شداد المياحي/ العراق
لا يكتب جاسب عبدالمجيد عن طالب جبار بوصفه فنانًا فلكلوريًا فحسب، بل بوصفه ذاكرة مدينة كاملة تمشي على قدمين، ثم تُصاب، لكنها لا تنكسر.
في نص «صانع المجد والبهجة» يتحوّل السرد إلى مساحة بصرية، تتداخل فيها اللوحة مع العرض، والذكرى مع الجسد، والمدينة مع مصير مبدعها.
النص لا يستعيد الفلكلور كعنصر تراثي جامد، بل يعيده إلى منبعه الإنساني الأول؛ إلى الجسد الذي رقص، وإلى الروح التي حملت الهباشات والهيوة والخشابة من ساحل البصرة إلى خشبات العالم. طالب جبار هنا ليس قائد فرقة، بل صانع هوية، وحارس ذاكرة، ومهندس فرح جمعي.
يُحسن الكاتب استخدام تقنية الذاكرة المتحركة؛ إذ لا تُروى الأحداث بترتيبها الزمني، بل كما تتداعى في وعي الراوي، تمامًا كما يتداعى الفلكلور نفسه في وجدان المدينة. فالشناشيل، والنخل، والطواشات، وسدرة العشاق، ليست مفردات مكانية، بل شفرات ثقافية تختزن تاريخ البصرة وروحها.
وعندما ينتقل النص إلى لحظة الانكسار — إصابة طالب جبار وتحوله إلى جسد مقعد — لا يسقط في خطاب الشفقة، بل يرتفع إلى مأساة نبيلة:
فالفنان، حتى وهو على كرسي متحرك، يطالب بالعودة إلى مدينته، لا للعلاج، بل لإكمال اللوحات. هنا يبلغ النص ذروة وعيه؛ إذ يُعرَّف الفن بوصفه ضرورة وجودية لا ترفًا.
الجملة الأخيرة، حيث تودّع المدينة والحضارة طالب جبار، لا تُعلن موت فرد، بل تشير إلى خسارة مرحلة كاملة من البراءة الفنية، وإلى سؤال مؤلم:
كيف تودّع المدن صُنّاع مجدها؟
وهل تحفظ الحضارة أبناءها كما تحفظ آثارها؟
إن مقال جاسب عبدالمجيد ليس رثاءً، بل شهادة ثقافية،
ولا بكاءً على الماضي، بل احتجاجًا ناعمًا على الإهمال،
وتأكيدًا أن الفلكلور، حين يفقد حامليه، لا يموت دفعة واحدة،
بل يتآكل بصمت.
طالب جبار، في هذا النص، ليس ذكرى…
بل ضمير مدينةٍ رقص حتى آخر نبضة