(( يشتغل هذا النص على مفارقة الزمن والجسد بوصفهما محركين سرديين لا يكتفيان بوصف التحول، بل يفضحان ما يتركه العبور القاسي للعمر من ندوب نفسية وأخلاقية واجتماعية. البنية تقوم على مجاورة مكانية ثابتة «المحلان متجاورين» تقابلها قطيعة شعورية كاملة، وكأن الثبات الخارجي يضاعف من فداحة التحلل الداخلي. هذه التقنية، التي تجعل المكان شاهدًا صامتًا على انكسار العلاقة، تذكّر بما فعله تشيخوف في قصصه حين جعل التفاصيل اليومية البسيطة مرايا لانطفاءات كبرى، وبما نجده عند همنغواي من اقتصاد لغوي يخفي تحت سطحه جروحًا لا تُقال.
النص ينجح في تشريح الجسد بوصفه سجلًّا زمنيًا: جسدٌ نشط يبكّر، وجسدٌ واهن يراقب ذاته خشية النكسات. هنا تتجلّى إحدى إيجابيات النص في تحويل البيولوجي إلى دلالة، فالسكري وتقلبات الجسد ليست معلومات عرضية بل علامات على انتقال السلطة من اللذة إلى الخوف، ومن الاندفاع إلى الحذر. كما ينجح السرد في توظيف الصمت بوصفه خطابًا؛ «لا يتبادلان حوارًا ولا نظرات» جملة لا تصف غياب التواصل فحسب، بل تؤسس لبلاغة الفراغ، حيث يصبح ما لا يُقال أبلغ مما يُقال، على نحو يقارب صمت كافكا الثقيل الذي يطوّق شخصياته دون تفسير مباشر.
على مستوى الجرأة، يقدّم النص ذاكرة جسدية عنيفة تُستعاد لا بوصفها اعترافًا شهوانيًا، بل كوثيقة عن علاقة قوامها الهيمنة والافتراس. هذه المقاربة تمنح النص كثافة أخلاقية لأنه لا يجمّل العنف ولا يبرّره، بل يضعه في سياق التحلل اللاحق: كيف تتحول الرعشة إلى تكلّس، وكيف تصبح اللمسة استفزازًا لا وعدًا. هنا يقترب النص من روح «لوليتا» لنبكوف من حيث تفكيك غواية السلطة، لا من حيث تبريرها، ويستدعي أيضًا أثر «مدام بوفاري» لفلوبير في كشف الخسائر الصامتة التي تخلفها أوهام الجسد حين ينقضي زمنها.
غير أن النص لا يخلو من سلبيات تتصل بالتوازن الإيقاعي والدلالي. فبعض الصور، على قوتها، تُكدَّس دون فسحة تأمل كافية، ما قد يضغط على القارئ ويحدّ من تعددية التأويل. كما أن ثنائية «هو مزهو/هي متحاشية» تميل أحيانًا إلى تقابل مباشر قد يستفيد من تعقيد إضافي يخفف من حدّته، ويمنح الشخصية الذكورية عمقًا نفسيًا أبعد من كونه نظرة محدِّقة بالأجساد. في الأدب العالمي، نرى كيف ينجح دوستويفسكي في تعقيد الجلاد والضحية معًا، بحيث لا تُختزل الشخصية في فعل واحد مهما كان فادحًا، وهو ما كان يمكن للنص أن يقترب منه بإشارات داخلية أكثر.
لغة النص، في مجملها، مشدودة ومكثفة، وتستثمر الفعل المضارع لإبقاء الجرح مفتوحًا في الآن، وهذه ميزة جمالية واضحة. غير أن بعض الانزلاقات التركيبية الطفيفة قد تُربك النسق، وكان يمكن صقلها لتكريس الانسياب دون أن تفقد حدّتها. مع ذلك، يظل الختام قويًا حين تتحول «نظرات الحزن» إلى «نظرات تجسّم الخسائر»، إذ يُعاد تعريف الخسارة لا بوصفها عاطفية فحسب، بل وجودية: خسارة الجسد، والوقت، والمعنى.
في المحصلة، النص يقدّم شهادة أدبية عن انكسار العلاقة تحت وطأة الزمن والعنف والمرض، ويحسب له أنه لا يستدر العطف ولا يطلب الإدانة المباشرة، بل يترك الوقائع والصور تقوم بوظيفتها التأويلية. قوته في صدقه القاسي، وضعفه النسبي في حاجته إلى مساحات تنفّس دلالية أوسع. وبين هذين القطبين، ينجح في أن يكون نصًا «جامعًا مانعًا» يضع القارئ أمام مرآة الخسائر، كما فعل كبار كتّاب العالم حين جعلوا من التفاصيل الصغيرة تاريخًا كاملًا للألم الإنساني.