دراسة نقدية في البنية الجمالية والدلالية
توطئة:
الشعر بعد الخراب
لم يعد الشعر الحديث معنيًّا بتمثيل العالم كما هو، بل بإعادة اختراعه بعد أن فقد معناه.
وفي سياق الحروب الحديثة، لم تعد القصيدة شاهدًا على الحدث، بل ناجية منه.
من هذا المنظور، يندرج ديوان «قصائد فرت من الحرب» ضمن ما يمكن تسميته بـ شعر ما بعد الكارثة، حيث تتحول اللغة من أداة وصف إلى أداة إنقاذ، ويغدو الشعر ممارسة وجودية تهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الإنسانية.
إن حسونة فتحي لا يكتب عن الحرب بوصفها واقعة سياسية أو تاريخية، بل باعتبارها شرطًا أنطولوجيًا يهدد الوجود والمعنى معًا.
أولًا: العنوان كخطاب ميتاشعري (Paratext)
يشكل العنوان عتبة دلالية حاسمة، إذ يُسند فعل “الفرار” إلى القصائد لا إلى البشر.
وهذا الإسناد:
يخلخل منطق البطولة التقليدية
ويعيد تعريف القصيدة بوصفها كائنًا هشًّا
ويمنح النص بعدًا ميتاشعريًا واضحًا
فالقصيدة هنا واعية بذاتها، وبمصيرها، وبخطر الإبادة الذي يهدد اللغة في زمن العنف، وهو ما يتقاطع مع تصورات أدونيس حول الشعر بوصفه “فعل قطيعة مع العالم السائد”.
ثانيًا: الحرب بوصفها أفقًا وجوديًا لا موضوعًا شعريًا
لا تُستثمر الحرب في الديوان كموضوع سردي، بل كـ مناخ أنطولوجي شامل.
إنها حالة تسرب إلى:
الوعي
اللغة
الصورة
الإيقاع
ومن ثمّ، فإن القصائد لا تروي الحرب، بل تكشف أثرها المتأخر في النفس، وهو ما يضع التجربة في تماس مع مفهوم “الجرح المفتوح” في الدراسات الثقافية الحديثة.
ثالثًا: جدلية الذات والآخر
تتخذ الذات الشاعرة موقعًا إشكاليًا بين الانسحاب والمواجهة.
فهي:
ليست ذاتًا خطابية
ولا ذاتًا بطولية
ولا ذاتًا اعترافية صرفة
بل ذات مفككة، قلقة، مراوغة، تكتب من منطقة رمادية بين النجاة والذنب، بين الصمت والكلام.
وهنا تتجلى نضج التجربة، إذ يتخلى الشاعر عن ادعاء تمثيل الجماعة، ليمنح صوته بعدًا إنسانيًا عامًا.
رابعًا: بنية الصورة الشعرية وتحول اليومي إلى رمزي
تعتمد الصورة الشعرية في الديوان على:
تفكيك المشهد اليومي
إعادة تركيبه رمزيًا
إفراغه من دلالته المباشرة
فالماء لا يعني الطهارة، بل الغياب
والقمر لا يعني الرومانسية، بل الذاكرة المثقوبة
والظل لا يعني الحماية، بل الانقسام الداخلي
وهو ما يضع الديوان ضمن أفق الرمزية الحديثة لا الرمزية الكلاسيكية.
خامسًا: اللغة بين الشفافية والتكثيف
لغة حسونة فتحي لغة:
غير خطابية
خالية من الزخرفة
قائمة على الجملة الشعرية القصيرة
وهي لغة تشتغل وفق منطق الاقتصاد الدلالي؛ حيث تُحمّل الكلمة الواحدة أكثر من وظيفة، دون الإخلال بالوضوح.
هذا التوازن بين الشفافية والغموض يمنح النصوص قابلية للتأويل المتعدد، وهي سمة أساسية في الشعر الناضج.
سادسًا: الإيقاع بوصفه أثرًا نفسيًا
الإيقاع في الديوان:
داخلي لا عروضي
قائم على التقطيع والتنفس
متوافق مع ثيمة الهروب والارتجاف
فالإيقاع لا يفرض نفسه، بل ينسحب، كأن القصيدة تخشى أن تُسمَع أكثر مما ينبغي، وهو ما يعكس أثر الحرب في البنية الصوتية للنص.
سابعًا: الديوان في سياق التجربة الشعرية لحسونة فتحي
يمثل هذا الديوان نقلة نوعية في مسار الشاعر:
من شعر العامية إلى الفصحى
من الغنائية إلى الرؤيا
من التعبير إلى التفلسف الجمالي
وهو انتقال يدل على تطور الوعي الشعري، لا على قطيعة مع المنجز السابق.
مواضع القوة :
تبلور رؤية شعرية واضحة ومتماسكة.
تحويل الحرب من حدث إلى بنية شعورية.
نضج لغوي وإيقاعي ملحوظ.
قدرة على المزاوجة بين الذاتي والإنساني.
وعي ميتاشعري بوظيفة القصيدة.
مساحات التطوير :
الحاجة إلى تنويع أكبر في الحقول الرمزية.
تعميق البنية الدرامية في بعض النصوص.
مزيد من المخاطرة الشكلية في القصائد الأطول.
تتمة:
الشعر بوصفه أخلاقًا جمالية
يبرهن ديوان «قصائد فرت من الحرب» أن الشعر لا يموت في زمن الخراب، بل يغير شكله ووظيفته.
فالقصيدة هنا لا تدّعي الانتصار، بل النجاة، ولا ترفع صوتها، بل تحفظ المعنى من التلاشي.
إن حسونة فتحي يكتب شعرًا يدرك هشاشته، ولذلك يملك شرعيته الجمالية والإنسانية.
المراجع والهوامش
حسونة فتحي، قصائد فرت من الحرب، ديوان شعر، القاهرة، 2022.
عبد القادر القط، في الشعر العربي الحديث، دار المعارف.
أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت.
خالدة سعيد، حركية الإبداع في الشعر العربي الحديث.
جيرار جينيت، عتبات، ترجمة محمد بنيس.
تيري إيجلتون، مدخل إلى النظرية الأدبية.