يدخل المجالس كما تدخل الموسيقى المفاجئة: بابتسامة لا تُغلق، وضحكة تعرف مفاتيح القلوب. ما إن يجلس حتى تبدأ النكات بالتطاير من فمه كالعصافير، وتتعاقب جمله الإيحائية فتوقظ الضحك في زوايا الوجوه النائمة. كان يصنع من الصمت عدوًّا صغيرًا ويهزمه كل مرة بقَهقهة عالية.
كان الناس ينظرون إليه بإعجاب: يا لحظه! أي حياةٍ هذه التي تضحك بلا انقطاع؟ حتى بدا لهم أن الحزن شخصٌ لم يحصل يومًا على عنوان بيته.
لكنه وحده كان يعرف سرّ البيت.
في اللحظة التي يتسلّل فيها الصمت مثل لصّ، كان يرى زوجته تقفل الباب الأخير، ويسمع وقع أقدام أطفاله وهم يغادرون بلا ضجيج… فقط ذلك الصدى الثقيل الذي يتركه الغياب. لذلك كان يثرثر، يهلوس، يطلق النكت كقنابل دخان؛ يخفي بها وجعًا يريد أن لا يراه أحدا.
في ليلةٍ متأخرة، أضحكهم حتى دمعت عيونهم. وعندما همّوا بالانصراف، سقط الصمت فجأة كستارة مسرحٍ انطفأت خلفها الأنوار. بقي وحده، تائهًا وسط كراسي فارغة وضحكاتٍ معلّقة في الهواء.
رفع كأسه الوهمي وقال بصوتٍ مكسور لا يسمعه أحد: — تشين تشين… لضحكةٍ تشرب دمي.
في الخارج، كان الناس يحكون نكاته، وفي الداخل، كان يحكي نفسه… بالبكاء.
كان يوقظ ضحكات الآخرين،
لينام في حزنه وحيدا.