المجموعة القصصية (الذي لن يأتي) للقاص مناف كاظم محسن.. لمست في أسلوب الكاتب- على الرغم من طرحه المتسم بمسحة حزينة- أنه يحاول بطريقة العرض تلك أن يتعمد بإخفاء معلومة قد نحتاجها كقراء ليتم بناء زمن حدث معين من السرد وننتقل بمخيلاتنا مع بعض التوقعات إلى السير في الأحداث.. على سبيل المثال عنوان المجموعة (الذي لن يأتي).. جاد علينا بضيافته السردية – لو صح التعبير- وكشف عما يبغي إخفائه في السرد.. أو يمدنا في سرد القصة بمعلومات مشوهة للأحداث مقنعة لكنها تفرض تساؤلات نوعاً ما. ثم سرعان ما يجعلنا بخطوط للقصة تغير نظرتنا كقراء إلى الأحداث السابقة.. (تتناثر أعقاب السجائر بين قدميه مثلما تناثرت سنوات عمرها الماضية) ص 9.
(دخان سجائره يرسم له صور فاطمة كلوحات هلامية تأخذه حيث مرارة الذكريات)ً ص 11 .
“عندما عقدا قرانهما، انتظرا اليوم الذي ينهي خدمته العسكرية كي يحتفلا بزواجهما” ص12.
في أول تصور للقارئ يكون: أن القصة تتحدث عن “فاطمة” وحكايتها.. وثاني تصور هو أن القصة من حصة “عبدالله” الذي عقد عليها ورحل مجبراً إلى الحرب.
لكن في النهاية التي نود أن نتوقعها.. بعد عودته كما بيّنها الكاتب، نراه يختلف علينا.. بنهاية مخالفة للتوقع.. [وقد احترقت فروة راسه من أوهام الذكريات وأعقاب السجائر المحترقة] ص24.
من خلال ما تقدم نرى الكاتب يشرك البطولة للسجائر وهي رمزيته التي تغنى بها أسلوبه السردي..
في كل قصصه الكاتب مناف كاظم محسن.. يقدّم عرضاً تشكيلياً في الكتابة 17 قصة قصيرة.. ما بين الواقعية والفنتازيا.. تتطعم بخطوط حبكاته التي اتسمت بالالتواء أو الحبكة الملتوية.. بمعنى أن مسار القصة يتغير جذرياً إلى عما كانت فيه في البداية، إذ يتم خداع القارئ أو إيهامه أن مسار الحكاية في البداية شيء وفي النهاية الأمر مغاير تماماً..
“من منا لا يتذكر التفاحات الثلاث في ألف ليلة وليلة. حينما تبدأ بصياد يكتشف صندوقاً معلقاً. الالتواء الأول يحدث عندما يُكسر الصندوق وتُكشف بداخله جثة، ويفشل البحث الأول عن القاتل، ويحدث الالتواء عند ظهور رجلين يدعيان على حدة أنهما القاتل وأخيراً تحدث سلسلة معقدة من الأحداث والتي تكشف أن القاتل هو عند المحقق نفسه”,
الأساليب المُستخدمة لإحداث الحبكة الملتوية، مِثل إخفاء معلوماتٍ مُعينة عن القارئ أو تضليلها بمعلوماتٍ غامضة..
التواء رقم 1: (يا إلهي هل ستاتي وتزيل كل هذا الحزن عن قلبي المريض.. ام أنها تتركني اصارع المرض وحدي) ص86 قصة انتظار.
التواء رقم 2: (ألا تذهب يا أبي؟ منذ ساعتين ونحن أمام قبر أمي) ص 88قصة انتظار.
جمالية الأسلوب ودقة الملاحظة وتسيير خطى عين القارئ من قبل الكاتب مناف كاظم هي الإبداع بعينه.. لا يمكن حرق قصصه والتنويه عن محتواها لكن نقول وبفخر أن مناف كاظم موهوب وقد قرأنا الكثير من انتاجه الأدبي في مجال القصة القصيرة وبهذه المجموعة تتحول كتاباته إلى درس وموضوع فيما عينة الحبكة الملتوية ومساراتها في الأدب والسينما.
“الذي إلى أين” تحفة سردية تضاف إلى روائع المكتبة الوطنية وذخائر المكتبة البصرية.
– الذي إلى أين. مجموعة قصصية للقاص المبدع: مناف كاظم محسن.
– صادرة عن دار السرد للطباعة والنشر/ 2023