نحتج على تردي الاوضاع في قطاعي التعليم والصحة وارتفاع الأسعار.. نختلف.. أحيانا نتشاجر.. ونصف بعضنا بأقدح النعوت.. ثم تأتي الكرة وتوحدنا.. نذهب إلى الملعب، أو نكتفي بمشاهدة المباريات في البيت.. البعض يرى أن المقهى أفضل، وأكثر حرية في التعليقات، تسمح باستعمال نعوت قد تخدش الحياء داخل فضاء المنزل..
نشتري قمصان المنتخب وأعلام مختلفة الأحجام تزين الصالون.. نحب الفرجة الجماعية تحت دفئ العائلة.. نردد مع الجمهور النشيد الوطني.. أمام الشاشة يتحول البيت إلى ملعب صغير..
المهم نصفق.. نهتز عندما تدخل الكرة الشباك.. نشتم هذا اللاعب أو ذاك.. نثني على آخر.. ننتقد الخطة والمدرب أو نمدح التكتيك حسب مجريات اللعب.. تنتهي المقابلة بالانتصار على فريق كبير، لكن الفرح لا ينتهي.. نخرج إلى الشارع.. نحتفل بشكل جنوني..
في افريقيا كل شيء يمكن تصديقه.. فقيه في إحدى قرى دولة مالي أقسم للسكان حتى ينتصر منتخبهم في موقعة تونس، وانتصر.. ادعى النبوة، وطلب الكثير من المال للتوسط لهم عند السماء كي يعود المنتخب بكأس افريقيا.. انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم.. جاء الجمهور من المدينة، وقدم له الحلاوة.. وعندما انهزم الفريق أمام السينغال، حاصروا بيته وخربوا ممتلكاته..
ناشط من بلد مجاور يتبول في الملعب، وكأنه قام بقلب نظام.. ينشر اللايف على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي.. نيجيريا تهزم منتخبه، وتُخرجه من المنافسة.. جمهور الفريق المنهزم يُخرج أوراق نقدية للدولة المنظمة، ويمزقها أمام الكاميرا..
لا يا حبيبي.. هذه الأوراق رمز للسيادة.. تمزيقها أو حرقها تُعاقب عليه كل القوانين الوضعية في العالم..
هنا لن يصدقك جمهور يشجع التبول في الملاعب.. عندما تعود أيها الناشط البوال إلى بلدك أتمنى أن ينتخبك شعبك رئيسا للجمهورية، فتكتمل الباهية..
لا بد أن مؤامرة حصلت في الخفاء بطلها فوزي لقجع.. افريقيا تخاف منتخب بلد الجوار الشرقي.. توهموا أن الهزيمة تحولت إلى انتصار.. حتى الحافلات التي تنقل المنتخبات لم تسلم.. اتهموا البلد المنظم بأنه اكتراها من الاسبان.. لم تكد تغرب شمس النهار حتى ظهر فريقهم الوطني يخرج من المطار، ويركب حافلة تعود إلى عهد الاستعمار.. تشبه تلك الحافلات التي كان الناس يصعدون السلم، ويجلسون فوق سطحها..
الكرة بنت الحرام.. قد تخفي وقد تفضح وتكشف المستور.. صحافي جالس في المقهى، يركب سيارته ويذهب إلى المصنع القريب من المكان، وينقل بالصوت والصورة عددا هائلا من الحافلات الجديدة التي يُصدر المغرب الفائض منها إلى اسبانيا نفسها..
بعد الذي فعله أهل سوس مع المنتخب والجمهور المصري من حسن ضيافة، وتشجيع فاق كل تصور حتى اعتقدوا أنهم لو لعبوا في بلدهم لما لقوا نفس الترحيب والحفاوة.. انقلب عليهم عدد متوسط من الجمهور في مباراة البنين والكوت ديفوار.. استفز المدرب اهل سوس ثم أهل الشمال بعد ذلك..
يا أخي تحدث عن تقييم الخطط والتكتيك الذي شهدته المباراة كما يفعل المدربون الأكفاء، بدل تعليق شماعتك بالكذب على التنظيم والفنادق والملاعب والجمهور..
حسام حسن وأخوه لا يعرفان بأننا قرأنا للمنفلوطي وطه حسين والعقاد والمازني ونجيب محفوظ وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإحسان عبد القدوس ويوسف ادريس ومحمد عبده ورشيد رضا ونوال السعداوي ويوسف القعيد وابراهيم اصلان ويوسف زيدان وغيرهم كثير.. وكم ضحكنا في البيت مع أبطال المسرح المصري في مدرسة المشاغبين.. جيلنا اطلع على إنتاج العديد من الكتاب والمثقفين والمغنين والمخرجين والممثلين، وحتى تاريخ مصر من الفراعنة إلى الفتح الاسلامي (20 ه / 640 م) والتعريب الاداري في القرنين 7 و8 م والفاطميون والمماليك ثم دخول الأتراك وغزو نابليون للقاهرة.. وحكم محمد علي وابنائه إبراهيم باشا وإسماعيل وبناء الأوبرا ورهن قناة السويس إلى الاحتلال البريطاني (1882) والملك فاروق وثورة 1919 مع سعد زغلول.. واستقلال مصر في 1936.. ثم ثورة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر في بداية الخمسينات.. وبعده السادات وحسني مبارك.. لكن كل ذا لا ينفع مع الكرة.. في الملعب جمهور قد يعرف أو لا يعرف ذلك، لكنه حر في أن يشجع من يشاء، ووقت ما شاء..
في زمن آخر جمهور الكرة عندنا منقسم بين البارصا والريال، وتنشأ بين الفريقين خصومات حادة.. فما الذي يجمعنا مع الاسبان حتى نشجع البارصا أو الريال؟ للكرة سحر من نوع مختلف.. وللناس وما يعشقون في الكرة مذاهب.. لا قومية في الكرة.. القومية فشلت في السياسة.. أنظر إلى ما يفعله الجيران معنا..
يا أخي البعض منا في الكرة يحب ويشجع شعب السينغال ومنتخب السينغال.. نحترم شعب مصر، ومنتخب مصر وتاريخ مصر وأهرامات مصر.. مدرب مصر ليس رمزا من رموز السيادة.. خرج معنا للعيب.. تنكر للملح والطعام.. نبقى أنذال إذا أغمضنا أعيننا، ولم نرد عليه.. حسام حسن عايز جمهور يشجعه.. ما فيش مشكل، يأتي به من مصر.. ونوفر له أحسن ضيافة، لكن خارج الملعب..
نحن عندما تنتهي المباريات نعود إلى حياتنا الطبيعية، وننسى ما فات.. لكن اللعنة على وسائل التواصل الاجتماعي..
بعض الصحافة المصرية لا تعرف طبيعة جمهور الكرة في المغرب.. نحن اقسونا بالنقد على مدرب منتخبنا، وهو اليوم مؤهل للمباراة النهائية.. ربما أخطأنا في حقه..
كم أنت طيب يا وليد يا ركراكي.. العالم يحسدنا عليك، ونحن نريد أن تُعطي أكثر من جُهدك.. البعض منا ذهب إلى حد المطالبة بإقالتك بعد الظهور الباهت للمنتخب في المباريات الأولى..
عندما رأيت دموع وليد وحكيمي ودياز بعد مباراة نيجيريا، كدت أجهش بالبكاء.. هؤلاء ولدوا في ديار الغربة.. وبعضهم يلعب لفرق عالمية، ويتقاضى أجرا خياليا.. يجري مع الكرة حتى يكاد صدره ينفجر من شدة الخفقان.. يُقطّع حذاءه داخل الملعب، لينقل إلينا ذلك الإحساس ب(تمغربيت).. ذلك الإحساس بالانتماء لبلد اسمه المغرب.. ذلك الفرح الذي افتقدناه منذ مونديال قطر.. يعيد إلينا دفئ الشعار: ديما مغرب..
جعلوا العالم كله ينبهر ويصفق للمغرب.. رؤساء دول وسفارات بلدان يتابعون مباريات المنتخب عن كثب.. بعضهم يرتدي القميص الوطني..
بنية تحتية ومستوى كروي يضاهي أحسن ما في العالم.. صحافية من إيطاليا بعدما شاهدت ملعب الأمير مولاي عبد الله، وما يضم من مرافق قالت بأن إيطاليا هي التي تنتمي للعالم الثالث..
في الكرة نغني مع الجمهور:
ديما ديما ديما، ديما ديما المغرب
في القمة علّيوا الراية المغربية
نية نية نية، بديناها بالنية
نكملوها بالنية هادي فرحة عالمية
الكرة بنت الحرام.. أنا مثلا موظف متقاعد راجعت اليوم معاشي في موقع صندوق التقاعد، فوجدت زيادة لا تتعدى 40 درهما لم أتوصل بها بعد.. شتمت الحكومة ووزارة المالية والناطق الرسمي الذي يكذب في التلفزيون، ويُطل في كل مرة يتحدث عن تحسين الأجور، وإعفاء المتقاعدين من الضريبة على الدخل.. أحسست بحيف كبير.. رئيس حكومة سابق وهو الآن في المعارضة، سيستفيد من ثلاثة ملايين سنتيم زيادة في تقاعده بعد حذف الضريبة على الدخل، وسيتقاضى عشرة ملايين سنتيم بالتمام والكمال حتى لا يصرخ، ويُحرض علينا الدواعش والاتحاد العالمي للإخوان المسلمين..
شكواك يا حبيبي ستبقى حبيسة جدران البيت أو فضاء المقهى.. العالم كله يتحدث عن الكرة..
تذكرت امرؤ القيس.. قلت مع نفسي اليوم خمر وغدا أمر.. معذرة يا امرؤ القيس، نحن لا ثأر لنا عند أحد.. مجرد خصومة في السياسة..
غدا ستنتهي كأس افريقيا، وسيعود الضيوف إلى ديارهم، وسنعود إلى انتقاد الحكومة، ونحتج على غلاء الأسعار، ونطالب بتعليم وصحة يرقيان إلى نفس المستوى الذي وصلته الكرة..
نعمل النية في الكرة ممكن.. لكن من الصعب أن تعمل النية في السياسة..
مراكش 16 يناير 2026