في الوادي البعيد لااحد ينتظرك سوى الغجر ،بيوتات مرصوفة باهمال مصنوعة من الصفيح، تُكتب الحكايات بالعرق والدموع ورائحة التنور، تفاصيل تبدو تافهة ، لكنها بالنسبة إلى ساكنيها تعادل حياة كاملة؛ بيوت لايسترها سوى ستارة مخملية اذاب لونها مطر الشتاء وحرارة الصيف ، صامدة خلف الباب وعلى الجانب خطافا صغيرا يغلق تلك الابواب، البعض منهم يضع بطانية مرقّعة لحجب الرؤية من الخارج ،في الداخل تجد موقدا يتربع على حجر يجمع الأسرة في دائرة دفء ضيقة. التفاصيل هنا تبدو عابرة هامشية للوهلة الأولى، لكنها تكشف عن مواسم من القهر .
ذكريات لم تُنس، وتفاصيل ما زالت تُراود من زارها، وبالتالي هي تُعبّر عن حب الحياة والتمسك بالامل، أمل لا ينضب، اول الصبح طوابير من البائعات تصاحبهن وانت تسير في الازقة وعلى الجدران تتجسد كظلال لا تفارقهن يحملن بضاعتهن على رؤوسهن بحسرة وأرق ، في سوق المدينة أصواتهن تتعالى ، مشبعة بالغضب والخذلان ، واما الحكايات هنا لا تنتهي ،أطفالهن في الازقة الموحلة أجساد نحيلة تمرح بانتظار عودتهن من السوق ، كأنّهم أعجاز نخل خاوية ويوم كبروا أدركوا معنى الاغتراب وأنّ لا مخلص سيأتي لينقذهم.
ايام الشتاء يهبط البرد على الحي ، ويصبح السير فيها امتحانا عسيرا ؛ فالبيوت ضيقة، جدرانها خاوية ، سقوفها لا تقي بردا، وانت تمر بها يطالعك حبل غسيل طويل علقت عليه ملابس العائلة البسيطة ، دشاديش باهتة تحمل كل رقعة رائحة يد أم رقعت وخاطت ما تيسّر من بقاياها لتمنح أولادها الدفء.
رائحة الامكنة النزقة لا تفارق الذاكرة وانت تغادرها مهما حاولت نسيانها. ربما يكون الشيء الملفت فيها حكاية فاتنة الحي الغجرية الجميلة وصورها الزاهية المعلقة على جدران المقاهي وداخل البيوتات ، فاتنة الحي جميل جدا وقد فاقت التصورات بل البعض يصفها بانها شبيهة الممثل مارلين مونرو ، وقد تعلق قلب الجنرال البريطاني فيها يوم دخل المدينة محتلا ، ويوم غادر وجنوده المدينة أقنعها بالذهاب معه ، وفي اليوم الثاني أصطحبها معه لتسكن لندن وليسدل الستار عن حكايتها والى اليوم لم يبقى منها سوى رسمها .
روايات كثيرة سردها من التقى بها اخر مرة ،ومَنْ يتأمل تلك التفاصيل يدرك انها حكاية من كتاب مفتوح، كُتبت صفحاته تلك الفاتنات ، حكايات ممزوجة بالدموع والضحكات معا ، حكايات مفادها أنّ مضامينها البسيطة قد تحمل في طياتها معاني كبيرة. الغجر ربما تكون الحياة صنعتهم من فقر وحرمان ، لكنها منحتهم أغنى ما يمكن تلك الحكايات يسردها الرجال في ليالي الشتاء للعائلة لتنام باكرا ،هكذا تصبح الحكاية كانون جمر ايام البرد ..