قصيدة «فيروس العزلة» يقدمها الشاعر كاظم حسن سعيد كنصّ تشخيصي حاد، يكشف عن وباء صامت تفشّى في جسد الانسان الحديث . عزلة بلا جدران ووحدة مكتظة بالوجوه.
يفتتح النص بمشهد مقهى:
في مقهى منزوي
يجلس كادحون ومسنون وثلاثينيون
تقرضهم الأيام
المقهى تقليديا فضاء اللقاء والحديث يتحوّل هنا إلى مسرح عزلة جماعية. اختلاف الأعمار لا يصنع تباينا في التجربة،إنه يوحّدهم جميعا في الاستنزاف: تقرضهم الأيام.
الزمن هنا ليس سياقا حياديا هو مفترس بطيء.تشتغل القصيدة على مفارقة لافتة:
يشغلهم التبغ والموبايل
إنهم واجمون
وسيلتا الإدمان (التبغ والهاتف) لا تمنحان متعة ولا تواصلا، تُكرّسان الوجوم.الهاتف المفترض أن يكون أداة اتصال يتحوّل إلى وسيط عزلة، شاشة “تحدّث نفسها” في صورة بالغة الدلالة على انكسار الحوار الإنساني.
يبلغ النص ذروته النقدية حين يعلن:
اتخموا بمليار فيديو
لم تعد قصيدة (المتجردة) تردد لعشرات القرون
هنا يستدعي الشاعر ذاكرة الثقافة العميقة في مواجهة الاستهلاك الرقمي السريع.ليست المشكلة في كثرة المحتوى، بل في تخمة بلا أثر حيث يُمحى الشعر والذاكرة والتجربة الجمالية أمام سيل بصريّ لا يُغذّي الروح.
ويزداد المشهد قتامة حين ينتقل الشاعر من الداخل إلى الخارج:
فيما كنت عبر الزجاج أتابع مسلحين، في الشاشة،
يقيمون مأدبة الموت لألف محتفل
الزجاج هنا مزدوج الدلالة:
زجاج المقهى وزجاج الشاشة.
العنف يُشاهَد لا يُعاش فيتحوّل الموت إلى عرض مرئي والمجازر إلى محتوى.
وحين يقول:
كأن الموت لا يعنيهم
فهو لا يصف المسلحين فقط، بل المتلقّي أيضا ذاك الذي اعتاد المشهد حتى فقد حساسيته الأخلاقية.
القصيدة لا تتوقف عند العزلة الفردية، هي تشير إلى عزلة جماعية مُعلّبة: حيث ملايين البيوت يوحدهم مسلسل عاطفي
وحدة زائفة، تقوم على شعور مستعار وبكاء مؤجَّر وعاطفة مُنتَجة سلفا.
إنها مشاركة شعورية لا تصنع تواصلا حقيقيا بقدر ما تُعمّق الفراغ.
ويُسدل النص ستاره بجملة تقريرية شديدة القسوة:
الهواتف الذكية أصابت الجميع بالشلل
وعملقت جدران العزلة
العزلة لم تعد حالة نفسية،الشاعر صورها بنية معمارية، جدران شاهقة تفصل الإنسان عن الآخر وعن ذاته.
والشلل هنا ليس جسديا فقط، هو شلل في المبادرة، في الدهشة، في الشغف.
«فيروس العزلة» قصيدة واقعية-وجودية بامتياز،
تكتب عن الإنسان المعاصر بوصفه ضحية نمط حياة، حيث التواصل فائض والمعنى نادر وحيث يموت الشغف ببطء تحت أضواء الشاشات.
إنها قصيدة لا تُدين التقنية بقدر ما تُدين الاستسلام لها، ولا ترثي الوحدة، هي تكشف كيف تعايشنا معها حتى صارت عادية.