توطئة:
تأتي رواية «لا يكفّ عن الضحك» للكاتبة المصرية رشا عبادة ضمن سياق سردي عربي معاصر يعيد مساءلة المفاهيم الجاهزة حول الطفولة، والبراءة، والهشاشة الإنسانية في عالم قاسٍ، حيث لا يكون الضحك علامة فرح بقدر ما يتحول إلى آلية بقاء، وإلى خطاب مضاد للألم والفقد. الرواية –منذ عنوانها– تضع القارئ أمام مفارقة دلالية: كيف يمكن للضحك أن يستمر في عالم تتراكم فيه أسباب البكاء؟ ومن هنا تبدأ مغامرتها الجمالية والفكرية.
أولًا: دلالة العنوان والعتبة النصية
العنوان «لا يكفّ عن الضحك» جملة فعلية مضارعة تفيد الاستمرارية، وكأن الضحك فعل قهري، لا يخضع للإرادة بقدر ما يخضع لضرورة داخلية.
الضحك هنا ليس حدثًا عابرًا، بل حالة وجودية.
العتبات الأخرى (الغلاف، صورة الطفل، الإهداء) تعزز هذا المعنى؛ فالطفل بملامحه البريئة ونظرته المندهشة يختزل التناقض بين عالم داخلي نقي وعالم خارجي خشن. الضحك، في هذا السياق، يصبح لغة صامتة للاحتجاج.
ثانيًا: الطفولة بوصفها مركزًا سرديًا
تعيد رشا عبادة الاعتبار للطفولة لا بوصفها مرحلة زمنية، بل بوصفها زاوية رؤية للعالم.
الطفل في الرواية ليس مجرد شخصية، بل عدسة سردية تُفلتر الواقع، وتكشف قسوته عبر براءة لا تمتلك أدوات التزييف.
الكاتبة لا تقع في فخ الرومانسية الساذجة للطفولة، بل تقدّمها بوصفها مساحة هشّة، تتعرّض للاختراق المستمر من الفقر، والعنف الرمزي، والتهميش الاجتماعي.
ثالثًا: الضحك كاستراتيجية نفسية وسردية
من أهم إنجازات الرواية تحويل الضحك من دلالة سطحية إلى بنية نفسية معقّدة:
نفسيًا: الضحك فعل دفاعي (Defense Mechanism)، يواجه به الطفل/الشخصية عالمًا لا يرحم.
سرديًا: الضحك يخفف من وطأة المأساة، لكنه في الوقت ذاته يضاعف أثرها، لأن القارئ يدرك أن هذا الضحك ليس نتاج فرح، بل نتيجة قهر.
وهنا تلتقي الرواية مع مفاهيم التحليل النفسي (فرويد تحديدًا) حول النكتة والضحك كوسيلة لتفريغ المكبوت.
رابعًا: اللغة والأسلوب
لغة رشا عبادة تتسم بـ:
البساطة الكثيفة: جمل قصيرة نسبيًا، لكنها مشحونة بالدلالة.
اقتصاد لغوي واعٍ: لا إفراط في الوصف، بل ترك مساحات بيضاء يتدخل القارئ لملئها.
انزياحات شعرية خفيفة: تمنح النص بعدًا جماليًا دون أن تُثقله.
الكاتبة تميل إلى لغة شفافة، أقرب إلى السرد النفسي منها إلى الخطابة الاجتماعية، ما يمنح الرواية صدقًا فنيًا.
خامسًا: البنية السردية والزمن
تعتمد الرواية على بنية غير صاخبة، لكنها محكمة:
زمن داخلي يتقدّم عبر الذاكرة والانفعالات أكثر مما يتقدّم عبر الأحداث.
استرجاعات (فلاش باك) تخدم بناء الشخصية، لا لمجرد التلاعب الزمني.
هذا الاختيار يعكس رؤية الكاتبة: الزمن الحقيقي هو ما نعيشه داخليًا، لا ما يُقاس بالساعات.
سادسًا: البعد الاجتماعي والإنساني
لا تقدم «لا يكفّ عن الضحك» خطابًا اجتماعيًا مباشرًا، لكنها تُدين الواقع عبر التفاصيل:
الفقر لا يُدان بالشعارات، بل بتأثيره النفسي على الطفل.
التهميش يظهر في غياب الحماية، لا في الخطب الرنانة.
الرواية تكتب الهامش من الداخل، وتمنح صوتًا لمن لا صوت لهم، دون ادعاء تمثيل أو وصاية.
سابعًا: الضحك والمأساة… جدلية التناقض
أحد أجمل ما في الرواية هو هذا التوتر المستمر بين الضحك والمأساة. الضحك لا يلغي الألم، بل يفضحه. وكأن الكاتبة تقول:
في عالم مختل، يصبح الضحك أحيانًا أكثر تعبيرًا عن المأساة من البكاء.
ثامنًا: موقع الرواية في السرد النسوي المصري
رغم أن الرواية لا ترفع شعار «النسوية» صراحة، فإنها تنتمي ضمنيًا إلى كتابة نسوية واعية:
عبر الانحياز للهشاشة.
عبر مساءلة السلطة الاجتماعية غير المرئية.
عبر تفكيك صورة «القوة» التقليدية، واستبدالها بقوة الصبر والاحتمال.
نهاية رؤيتي النقدية:
«لا يكفّ عن الضحك» ليست رواية عن الضحك، بل عن النجاة.
رواية تُقرأ ببطء، لأنها لا تراهن على الحدث، بل على الأثر. رشا عبادة تقدم نصًا إنسانيًا رفيعًا، يشتغل على التخوم بين الألم والأمل، بين الطفولة والعالم، بين الصمت والضحك. إنها رواية تترك القارئ متورطًا وجدانيًا، ومتسائلًا أخلاقيًا، وهو أعلى ما يمكن أن يبلغه الأدب.
مراجع :
فرويد، سيغموند: النكتة وعلاقتها باللاشعور.
باختين، ميخائيل: أدب الضحك والثقافة الشعبية.
فيليب لوجون: السيرة الذاتية والتخييل.
عبد الله إبراهيم: السردية العربية.
سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي.
دراسات في أدب الطفولة والسرد النفسي المعاصر.
—
ناقد باحث مصري