الكتابة، في يومها الأول، كانت صرخة في الصمت، همسة في الظلام، أداةً لفهم العالم وتخفيف ثقل الوجود.
أما اليوم، فقد صارت أحيانًا عبئًا لا يُحتمل، ثِقلاً يثقل القلب والروح، ووهمًا يغرّ بسطوعه الفارغ.
في زمنٍ يسبق فيه الضجيج على الجوهر، يصبح الكاتب مُطارَدًا بتوقعات السوق، وبسطوة المنصات، وبذريعة الانتشار السريع.
يكتب لا لأنه يملك ما يقول، بل لأنه مطالب بالظهور، كمن يركض خلف ظل، أو يلاحق صدى لن يُسمع إلا للحظات.
هناك كتابة تنبثق من الحاجة الحقيقية، ومن سؤال داخلي لا ينطفئ، وهناك كتابة تتحول إلى عبء نفسي، ثِقل يثقل القلب.
الكاتب يتساءل: هل ما أكتبه يستحق؟
هل سينسى إذا توقفت؟
هل سيستمع أحد إلى صدى روحي بين صخب العالم؟
في عالم اليوم، الكتابة معرضة لوهم التأثير السريع.
نص عابر يُظن أنه سيغيّر شيئًا، أو ينتشر ويترك أثرًا، بينما الحقيقة أن الكتابة الجادة تراكمية وبطيئة، تعمل في الأعماق قبل السطح، وتثمر بعد أن يغادر الكاتب الحياة.
أما عبء النشر، فهو كابوس يومي.
المكافآت غير مضمونة، المجلات تتملص، الصحف تعتذر، والكاتب يعتمد على هذه المكافآت لتغطية حياته. نصف سنة، سنة، أحيانًا أكثر، يظل الكاتب ينتظر، يتأرجح بين الأمل واليأس، كمن يزرع أرضًا قاحلة بانتظار ثمر لا يجيء.
ولا يقتصر العبء على الانتظار، بل يمتد إلى فساد الوسط الثقافي.
العلاقات، الصداقات، الشلليات، الرشاوى، كل شيء يُقاس بالمال والواسطة، لا بالإبداع.
يشتري البعض نصوصًا كاملة، يُسرق البعض نصوصه ويعاد تدويرها، أو يُقدّم الرشاوى لمجرد بريق الشكل الفارغ.
أما الكاتب الذي لا يملك مالًا، ويعيش حياة ضنك، وموهبته صادقة، فيظل مختبئًا خلف أدعياء الأدب ولصوص الكلمة.
حتى المسابقات الكبرى، المعلنة بأبهى الشعارات، لا تخلوا من الفساد.
لجنة التحكيم تتجه بالصداقات والمصالح والرشاوى على مستوى الوطن العربي.
لا مسابقة شفافة إلا وتحكمها علاقات المصالح، تبادل «هات وخذ»، «شيلني وأشيلك»، رائحة الفساد تتسلل من كل زاوية، وقذارة بعض مانحي الجوائز تتجاوز كل تصور.
أما النصوص المستحقة، التي لا تعرف أحدًا ولا تملك مصلحة، فتُلقى في سلة المهملات، رغم حاجة كاتبها الماسة لكل جنيه.
ورغم كل هذا، هناك صمت، وهناك كتابة صادقة، هناك مقاومة هادئة.
كتابة لا تدّعي، لكنها تفتح آفاق التفكير، تزعج المسلّمات، وتعيد للكتابة روحها الأولى: محاولة إنسانية لفهم الذات والعالم، ولو بقدر ضئيل من الصدق.
الكتابة المثقلة بالوهم، بالعبء، بالثقل، هي أيضًا صرخة في الصمت، مقاومة في عالم يستهلك الكلمات بلا رحمة.
—
ناقد روائي شاعر مصري