منذ انتهاء مباريات نصف النهائي في كان 2025 بالمغرب، والعالم ينتظر عرسا كرويا يعد بمقابلة كبيرة بين أقوى منتخبين في القارة الافريقية..
العارفون بخبايا الأدغال الافريقية عارضوا منذ البداية تشجيع المغاربة لأي منتخب غير المنتخب الوطني.. لكن جمهور الكرة كان له رأي مخالف ربما فعل ذلك بحسن نية أو بتأثير من الأيادي التي تتستر خلف وسائط التواصل الاجتماعي.. نحن لا نملك صحافة رياضية قوية.. حتى المحللين المرموقين الذين يفهمون في الكرة فتحوا قنوات خاصة.. فرغت أو أفرغت الساحة للمؤثرين.. بالمختصر لم نكن نتوفر على خطة إعلامية واضحة تتعلق بالكان وتخدم النخبة الوطنية.. هكذا بقي البعض يُشرق والبعض يُغرب..
التنظيم كان في أعلى المستويات.. ملاعب فنادق مطاعم نقل تغطية إعلامية استقبال.. بعض الجمهور القادم من افريقيا الخمسينات لم يصدق ما رأى بأم عينيه.. لا هذه ليست دولة إفريقية.. هذه دولة سقطت من جنوب القارة العجوز..
الأفارقة مثل الأطفال، عندما يكتشفون بأن جارا علا شأنه يغيرون منه.. البعض بدأ الحرب منذ سنوات.. جاء جمهوره من الداخل والخارج إلى المدن المغربية.. انبهر بصورة البلد المستضيف.. لم يصدق التقدم والجمال الماثل أمام عينيه.. البعض كان يسأل صاحب محل هل يسمح باقتناء نص دزينة من علب الحليب، فيخرج أمام الدكان، ويأخذ لايف يُرسله لأصدقائه في البلد أو يحتفظ به حتى يعود.. أخذوا صورا مع الشوارع والمقاهي والمطاعم والفنادق ومحطات القطار وغيرها.. وبال أحدهم في الملعب أيضا، ومزق بعضهم عملة البلد الذي استقبله بالأحضان..
تذكرت زمنا كنا فيه أطفالا، بعد تثبيت الضوء الأحمر والأخضر في الشوارع.. وبدل أن نقطع ممر الراجلين كنا نقف طويلا ننتظر أن ينطفئ أو يشتعل، ونردد بفرح ودهشة: (ها هو بغا يشعل ها هو بغى يتطفى)..
جاءت مباراة النهائي.. شدت إليها الأنظار من كل حدب وصوب.. القارة ممزقة.. تصفية حسابات بين الاتحادات الكروية.. حرب ضروس بعضها ظاهر وبعضها خفي.. الكثير من المنابر والمواقع ومن خلفها الذباب الالكتروني للأصدقاء والأعداء حشدوا أنصارهم بعد أن رسخوا في رؤوس بلا عقل على أن التحكيم منحاز للبلد المنظم.. مواقع أجنبية متخصصة في الكرة أجزمت بأن المنتخب المغربي هو المنتخب الذي تعرض لأكبر ظلم تحكيمي في هذه المنافسة لحد الآن.. باطل أريد به حقا.. وإلا لماذا رفضوا مقترح فوزي لقجع باستضافة حكام من أوروبا وأمريكا وآسيا؟!
جمهور الكرة لا يصدق أحيانا إلا ما يُملى عليه من طرف أهل الحال.. اتحاد الكرة السينغالي يخرج عن شروط الضيافة، ويتهم زورا المغرب بأنه لم يوفر فندقا، وملعبا خاصا للتداريب يليقان بمقام منتخبه، رغم أنه اتحادهم هو من وافق من قبل على الفندق.. الملعب المرفوض، وهو نفس الملعب الذي تدرب فيه أشهر ناد في العالم: ريال مدريد.. استجابت الكاف لطلبهم.. وقد فعلها قبله مدرب المنتخب المصري الذي نزل في أفخم فندق بمدينة طنجة ووصفه بالبنسيون، وقال بأن الناموس حرم منتخبه من النوم.. الناموس في طنجة العالية وفي فصل الشتاء عيب وأمر مثير للسخرية يا حسام وإبراهيم حسن.. البعض بحسه الفكاهي استحضر حالة المنتخبات الافريقية بأنها ألفت اللعب في ميادين مليئة بالأوحال.. فيديو للاعب إفريقي يصف كان 2015 في غينيا الاستوائية وكان 2017 في الغابون بالكارثة.. فنادق من طابق واحد ولأكثر من فريق، وبعضها لازال في طور البناء.. ملعب للتدريب لأربع منتخبات.. في كان الكاميرون يُحكي بأن استشفاء اللاعبين كان يتم في براميل.. لم تصدر بلاغات أو تصريحات.. لم يحتج أحد..
في الندوة الصحفية خرج مدرب السينغال عن الأعراف.. امتدح تنظيم شان الجزائر، وقزم تنظيم كان المغرب رغم بعد السماء عن الأرض.. بعث برسالة مشفرة لمن سخره لتجاوز الأعراف الرياضية، والخلط بين السياسة والكرة.. لا غرابة أن يكون مساعد المدرب جزائري الجنسية.. خيوط مؤامرة يهودا على المسيح بدأت تظهر لمن كان مغمض العينين.. لا بد من استهداف التنظيم، وتخريبه على رأس المغرب في ليلة العرس..
شعرت هذا المساء بخوف غريب.. منتخب السينغال منتخب قوي يتوفر على لاعبين يمارسون في أندية كبيرة.. المنتخب المغربي أنهكته المباريات الثلاث ضد تنزانيا والكاميرون ونيجريا هذه المقابلة التي امتدت ل 120 د وانتهت بضربات الجزاء..
تحت ضغط الجمهور والإعلام، المدرب المغربي كشف أوراقه في المباراتين الأخيرتين.. أحسن 11 لاعبا زج بهم في الميدان.. مع توالي المباريات أنهكهم بدنيا.. لم يكن يتوفر على دكة احتياط قوية يمكن أن تعمل على قلب المباريات.. جاء بنصف فريق إما معطوب أو غير جاهز.. قلت أكثر من مرة .. المنتخب ليس مصحة لمعالجة الأمراض النفسية..
عرفت المباراة تفاوتا طفيفا في امتلاك الكرة.. كانت مباراة كسر عظام.. حكيمي يلعب بنصف إمكانياته وهو العائد من الإصابة.. دياز أيضا لم يظهر بمستواه.. أضعف الخصم الجهة اليمنى.. نزل الثقل على الجهة اليسرى.. نسي المدرب الاختراق من الوسط.. الوقت يمر والملعب يلتهب.. ضربة ركنية.. لاعب يدفع حكيمي، ويسقط على الأرض.. الحكم قريب من العملية، يعلن عن خطأ.. يضرب اللاعب الكرة برأسه، وتستقر في الشباك.. لم تكن هناك احتجاجات قوية من طرف مدرب أو لاعبي السينغال.. في الوقت بدل الضائع إبراهيم يصطاد ضربة جزاء بعد أن جره مدافع سينغالي، وأسقطه بالقوة.. المنتخب المغربي يضغط على الحكم.. يعود إلى الفار وسط احتجاجات المنتخب السينغالي.. بعدها يعلن عن ضربة الجزاء..
هنا أوقف المدرب السينغالي المباراة.. جاءت اللحظة التي انتظرها بفارغ الصبر.. عليه أن يشهر خنجره، ويطعن قيصر في الظهر.. طلب من فريقه الانسحاب من الملعب والعودة إلى مستودع الملابس.. الجمهور السينغالي على قلته في الملعب تحول بسرعة إلى وحش كاسر يحطم كل شيء في طريقه، ويريد النزول إلى الملعب.. تذكرت غضب “كينكو” في الفيلم الشهير.. بدأت الهواتف تشتغل.. تدخل الوسطاء.. عاد السينغاليون بسرعة إلى الملعب..؟ الجالية المغربية في السينغال تعيش الرعب..تحولت بسرعة إلى رهائن في المنازل والمحلات المغلقة.. فيديو ينتشر كالنار في الهشيم.. مغاربة من الجالية يتابعون المباراة بلا إنارة تحت رحمة الخوف.. يكتفون بضوء التلفاز.. يُسمع صوت أحدهم يدعو الله أن تضيع ضربة الجزاء، ويطلب من الباقي الا يرفع صوته إذا دخلت الكرة الشباك؟!
حرب في جنبات الملعب وبالقرب من المرمى.. الهواتف ستنقل فيما بعد صورا لمظاهر الشغب والسحر والشعوذة.. تضيع ضربة الجزاء وكأن شيئا لم يقع.. لا فرح هنا، ولا حزن هناك.. وحده الجمهور لا يفهم ما حدث.. هل أضاع إبراهيم دياز ضربة الجزاء تحت الضغط، أم أنه تم الاتفاق على أن يقذف الكرة بين يدي الحارس؟! ما هي الرسائل التي تم تبادلها في الهواتف؟!.. العلم عند الله، وبعض لاعبي ومدربي الفريقين والمخابرات المغربية وف ب ي الأمريكية..
ما قدمه المحللون بعد ذلك مجرد تخمينات.. الجو متوتر في فرنسا.. مذيع قناة كنال بليس يحمد هو الآخر الله ويشكره على ضياع ضربة الجزاء وفوز السينغال بالكأس.. أكد بأنه لو حدث العكس لشاهدنا حمام دم في المغرب والسينغال وفرنسا.. كان يمكن أن يضغط المنتخب الوطني على الحكم من أجل إعلان صافرة النهاية بعد انسحاب المنتخب السينغالي، وفوز المغرب بالكأس بالقانون، لكنه لم يفعل.. الآن فهمت لماذا قال محلل إبراهيم دياز يستحق التكريم، بل يستحق جائزة السلام..
تجييش الجمهور والمنتخب السينغالي والضغط الإعلامي عبر السوشيال ميديا بتكرار لازمة فساد التحكيم، وسيطرة فوزي لقجع على الكاف، كاد يُخرج المباراة عن السيطرة لكنه أخرجها عن الرياضة..
الجمهور المغربي خرج من الملعب حزينا.. لم يخرب، ولم يعتد على أحد.. نفس الشيء حدث في المقاهي والبيوت.. أنقد الروح الرياضية للكان..
بعد نهاية المباراة خرج من الجُحر من كان يخطط، ومن كان يحرض، ومن كان يشمت، ومن كان يرقص لنصر لم يصنعه، ويحتفل بسرقة كأس أصبحت موصومة بالعار..
ربما كنا ضحية حسن الضيافة والطيبوبة والكرم الزائد عن الحد.. اهل الحل والعقد لا ينصتون لعبد الله العروي: “المغرب جزيرة، وقدرنا أن نتصرف كأننا في جزيرة””
رفضنا الهزيمة لأنها جاءت تحت الضغط والابتزاز.. لا يا ساديو ماني.. لا تنس بأن أجدادنا من علموكم الوضوء والصلاة.. نحن من فضل هدم الكعبة حجرا حجرا على أن يُقتل مسلم من أجل الفوز بكأس ملطخة بالعار والسحر والشعوذة والخبث الكروي..
مراكش 21 يناير 2026