الشاعر اللبناني، الصحفي المتمرس، كتابة، وضجة، وسجالاً وكلاماً، عباس بيضون، الأكثر سؤالاً عن الشعر، هو نفسه، الإنسان، المبشر بالشعر، وهو الذي ما فتأ، كتابة أيضاً، أن يدون بكل ما أوتي من قوة، نثراً “كصحافي، علي أن أسأل وكشاعر لا أعتقد أن عليّ أن أجيب، لقد حركتم أيها الأصدقاء غباراً كثيراً وسيقع جله عليكم، كان أجدر بنا أن نتأنى، أن نحرك أحجاراً حقيقية بقدر قوانا الواهنة، أن نسأل الشعر عن نفسه أولاً. أن نحارب”.
بيضون الشاعر، يشير الى بداهة الحقيقة، في سعير الحقيقة، في الشبر الخصب، ليؤكد أننا بالشعر لن نخسر صمودنا، بل سنربحه، بأن نبني بكلمات غير مؤكدة بداية ما، ويتساءل بأننا ألم نفكر أننا ونحن نعبد الشعر كنا نعبد اللغة المدانة التي هو أحد أقنعتها وربما أكثرها تمويهاً، وألم نفكر ونحن نحارب في كل المعارك أننا جعلنا الشعر يقيننا الأول، وأننا بهذا اليقين لا نستطيع أن نسأل وإن تركنا أجوبة كاليقينيات وصيحات انتظار كاذبة تخرج من أفواهنا، حذار من الكلمة، حذار من الشعر أيها الأصدقاء، ولننطلق من هنا”.
يؤخذ على الشاعر الجميل عباس بيضون تمسكه بردهة القصيدة كتمسكه، بطقوس العبادة على مبتغاها، وهذه ليست نقيصة لشاعر كبير وله باع طويل في مضمار الشعر والنثر معاً، شارك القصيدة الإبداعية همومها اليومية كأنه، طواعية، يشارك، حزناً، طقوس سواد، في وداع أصدقاء لم يعودوا في سخونة وبرودة المكان، فالشاعر بيضون هو إبن المكان بإمتياز، والأكثر وفاءً للمكان ذاته، وما تشبثه ببيروت، المدينة، المكان، الولع، الهلع، إلا نوع جاد وغير مزيف، من الوفاء لهذا المكان الأليف إبداعياً، ذلك المكان الذي أخلص له، للشاعر، لطقوسه، لكتاباته الصحفية، لحواراته الطويلة، لهوسه بالنسكافيه الدوبيل، كما يخلص عاشق لحبيبته، أو كما يخلص، بإرادة واضحة، مكان ما لزمان ما كان لهما اللاتناثر.
يقول بيضون، في مجموعته “الموت يأخذ مقاساتنا” الصادرة عن دار الساقي في بيروت: “وضعتُ كثيراً من الشعر، كثيراً من الفؤاد في القصيدة فصارت عرجاء”، هو إذاً نوع من الإلتزام حيال القصيدة التي أخلص لها بيضون كما يخلص لروحه.
الشاعر والصحافي اللبناني، كما يحبذ تسميته، المولود في العام 1945 يعمل منذ إطلاعنا، نحن، على شؤون وشجون الثقافة المتعبة، مشرفاً ومسؤولاً على الصفحات الثقافية في صحيفة السفير البيروتية اليومية، حيث صدرت له بين كل تلك أعوام التعب الثقافي ثلاث عشرة مجموعة شعرية متنوعة، بالإضافة الى روايتين اثنتين، ومجاميع شعرية مبعثرة بين الدول، مترجمة الى لغات عالمية أكثر من حية بين إيطالية وانكليزية، كما ترجمت له الى الفرنسية قصائد “صور” و”قبور زجاجية”، وهو في كل ما لديه من إبداع يشبه ذاته الشاعرة دون غيرها، فهو في الشعر، مبدع، كما في فن الرواية، أكثر إبداعاً والأمر لديه سيان، وهذه ميزة لا يتمتع بها إلا القلائل من المبدعين الرواد.
في كتابه “شجرة تشبه حطاباً” يجانب الشاعر عباس بيضون الصمت، ويلازمه، بل يكن له، أي للصمت، كل التقديس، التقديس للمصائر الغائصة في مبتغاها، في ردهات الحياة الماثلة للحيلة، كأنه، شعرياً، ينفعل من الكلام الواضح، أو الكلام بالإشارة، أو كأنه في نهاية كتابه لا يبحذ إلا لغة الصمت، تلك اللغة المعبرة أكثر بكثير من لغة الكلام، تلك اللغة المريبة، الرهيبة، فيقول :“إذ ينبغي أن نعثر على الصمت في الصمت، على فراغة الرصاصة في الجمجمة الثقيلة”، هو تعبير شاعر عندما يكون الصمت في حضرة الرصاصة.
عباس بيضون، الشاعر، الذي كان مرحلة ما، أبان المراهنة على الشعر، وعلى فناءه، أحد أهم اسم شعري وإبداعي انضم إلى لائحة المكرمين في موسم جوائز الإبداعات الفكرية والأدبية في العام 2005، بعد مرحلة مكثفة في الكتابة والصحفية، يسأل الشاعر الفلسطيني الكبير، الراحل، محمود درويش في محاورة نادرة، طويلة، سجالية أكثر من اللازم، حيث يتعثر النسكافيه بالنسكافية الدوبيل فيسأل بيضون، صديقه محمود دوريش بعد وجبات ساخنة من الأسئلة الطويلة والقصيرة الى حدود أن يأخذهما الوقت:أي حداثة هذه، هل يمكن الكلام عن حداثة عربية؟
فيقول درويش: “لست أتكلم عن حداثة عربية، الحداثة مفهوم شامل للمجتمع، عندنا تحققت الحداثة فقط في الشعر وربما في وزارة الداخلية وأجهزة الأمن، لكن الحداثة هي إعادة النظر بالتراث والتأريخ ونقد الذات وفهم العالم الجديد، هذه لم تتحقق، لكن هل على الشعر أن ينتظر تحديث نفسه إلى أن تتم الحداثة بمعناها الشامل؟ نحن من دون حداثة غربية لا نعرف أن نناقش في الحداثة. ولا يمكن الحديث عن حداثة عربية بمعزل عن تأثرها بالحداثة الغربية. السؤال هو كيفية التأثر، هل هي نسخ، أم هضم واستيعاب..
فيسأل بيضون الصحافي هذه المرة، تقول في الجدارية، والجداراية إحدى أشهر كتب الشاعر محمود درويش الشعرية “هزمتك يا موت الفنون جميعها”. إلى أي درجة هذا الكلام تبشيري؟ إلى أي درجة هو حقيقي بالنسبة إليك؟
يقول درويش، أو بالأصح يرد درويش على صديقه بيضون السائل:”هو ليس حقيقياً، بل خلق مبرر لاستمرار تناسي الموت، لاستمرار الإنسان في أن يعيش متجاوراً مع الموت لكن ناسياً إياه. لأنك إذا ذكرت الموت تتعطل الحياة، وتتعطل حركتك وتطورك”..
بعد هذا السؤال هل من مفر، ولكن يظل بيضون الأكثر حيرة، وهو الذي كتب، قبل الحوار بسنوات طويلة، دون تساؤل في كتابه “المريض هو الأمل”: أيتها الغيمة، منذ متى لا تشبهين الشعر، منذ متى نجدك في علبة كبريت بين العيدان الميتة”.
عباس بيضون شاعر في أسئلته الكثيرة، وفي أجوبته الكثيرة المحيرة، وفي زرقة حبر قلمه الذي يؤرق عقل القارئ كما يؤرق تفكير الكاتب في آن معاً.
بيضون الشاعر، يشير الى بداهة الحقيقة، في سعير الحقيقة، في الشبر الخصب، ليؤكد أننا بالشعر لن نخسر صمودنا، بل سنربحه، بأن نبني بكلمات غير مؤكدة بداية ما، ويتساءل بأننا ألم نفكر أننا ونحن نعبد الشعر كنا نعبد اللغة المدانة التي هو أحد أقنعتها وربما أكثرها تمويهاً، وألم نفكر ونحن نحارب في كل المعارك أننا جعلنا الشعر يقيننا الأول، وأننا بهذا اليقين لا نستطيع أن نسأل وإن تركنا أجوبة كاليقينيات وصيحات انتظار كاذبة تخرج من أفواهنا، حذار من الكلمة، حذار من الشعر أيها الأصدقاء، ولننطلق من هنا”.
يؤخذ على الشاعر الجميل عباس بيضون تمسكه بردهة القصيدة كتمسكه، بطقوس العبادة على مبتغاها، وهذه ليست نقيصة لشاعر كبير وله باع طويل في مضمار الشعر والنثر معاً، شارك القصيدة الإبداعية همومها اليومية كأنه، طواعية، يشارك، حزناً، طقوس سواد، في وداع أصدقاء لم يعودوا في سخونة وبرودة المكان، فالشاعر بيضون هو إبن المكان بإمتياز، والأكثر وفاءً للمكان ذاته، وما تشبثه ببيروت، المدينة، المكان، الولع، الهلع، إلا نوع جاد وغير مزيف، من الوفاء لهذا المكان الأليف إبداعياً، ذلك المكان الذي أخلص له، للشاعر، لطقوسه، لكتاباته الصحفية، لحواراته الطويلة، لهوسه بالنسكافيه الدوبيل، كما يخلص عاشق لحبيبته، أو كما يخلص، بإرادة واضحة، مكان ما لزمان ما كان لهما اللاتناثر.
يقول بيضون، في مجموعته “الموت يأخذ مقاساتنا” الصادرة عن دار الساقي في بيروت: “وضعتُ كثيراً من الشعر، كثيراً من الفؤاد في القصيدة فصارت عرجاء”، هو إذاً نوع من الإلتزام حيال القصيدة التي أخلص لها بيضون كما يخلص لروحه.
الشاعر والصحافي اللبناني، كما يحبذ تسميته، المولود في العام 1945 يعمل منذ إطلاعنا، نحن، على شؤون وشجون الثقافة المتعبة، مشرفاً ومسؤولاً على الصفحات الثقافية في صحيفة السفير البيروتية اليومية، حيث صدرت له بين كل تلك أعوام التعب الثقافي ثلاث عشرة مجموعة شعرية متنوعة، بالإضافة الى روايتين اثنتين، ومجاميع شعرية مبعثرة بين الدول، مترجمة الى لغات عالمية أكثر من حية بين إيطالية وانكليزية، كما ترجمت له الى الفرنسية قصائد “صور” و”قبور زجاجية”، وهو في كل ما لديه من إبداع يشبه ذاته الشاعرة دون غيرها، فهو في الشعر، مبدع، كما في فن الرواية، أكثر إبداعاً والأمر لديه سيان، وهذه ميزة لا يتمتع بها إلا القلائل من المبدعين الرواد.
في كتابه “شجرة تشبه حطاباً” يجانب الشاعر عباس بيضون الصمت، ويلازمه، بل يكن له، أي للصمت، كل التقديس، التقديس للمصائر الغائصة في مبتغاها، في ردهات الحياة الماثلة للحيلة، كأنه، شعرياً، ينفعل من الكلام الواضح، أو الكلام بالإشارة، أو كأنه في نهاية كتابه لا يبحذ إلا لغة الصمت، تلك اللغة المعبرة أكثر بكثير من لغة الكلام، تلك اللغة المريبة، الرهيبة، فيقول :“إذ ينبغي أن نعثر على الصمت في الصمت، على فراغة الرصاصة في الجمجمة الثقيلة”، هو تعبير شاعر عندما يكون الصمت في حضرة الرصاصة.
عباس بيضون، الشاعر، الذي كان مرحلة ما، أبان المراهنة على الشعر، وعلى فناءه، أحد أهم اسم شعري وإبداعي انضم إلى لائحة المكرمين في موسم جوائز الإبداعات الفكرية والأدبية في العام 2005، بعد مرحلة مكثفة في الكتابة والصحفية، يسأل الشاعر الفلسطيني الكبير، الراحل، محمود درويش في محاورة نادرة، طويلة، سجالية أكثر من اللازم، حيث يتعثر النسكافيه بالنسكافية الدوبيل فيسأل بيضون، صديقه محمود دوريش بعد وجبات ساخنة من الأسئلة الطويلة والقصيرة الى حدود أن يأخذهما الوقت:أي حداثة هذه، هل يمكن الكلام عن حداثة عربية؟
فيقول درويش: “لست أتكلم عن حداثة عربية، الحداثة مفهوم شامل للمجتمع، عندنا تحققت الحداثة فقط في الشعر وربما في وزارة الداخلية وأجهزة الأمن، لكن الحداثة هي إعادة النظر بالتراث والتأريخ ونقد الذات وفهم العالم الجديد، هذه لم تتحقق، لكن هل على الشعر أن ينتظر تحديث نفسه إلى أن تتم الحداثة بمعناها الشامل؟ نحن من دون حداثة غربية لا نعرف أن نناقش في الحداثة. ولا يمكن الحديث عن حداثة عربية بمعزل عن تأثرها بالحداثة الغربية. السؤال هو كيفية التأثر، هل هي نسخ، أم هضم واستيعاب..
فيسأل بيضون الصحافي هذه المرة، تقول في الجدارية، والجداراية إحدى أشهر كتب الشاعر محمود درويش الشعرية “هزمتك يا موت الفنون جميعها”. إلى أي درجة هذا الكلام تبشيري؟ إلى أي درجة هو حقيقي بالنسبة إليك؟
يقول درويش، أو بالأصح يرد درويش على صديقه بيضون السائل:”هو ليس حقيقياً، بل خلق مبرر لاستمرار تناسي الموت، لاستمرار الإنسان في أن يعيش متجاوراً مع الموت لكن ناسياً إياه. لأنك إذا ذكرت الموت تتعطل الحياة، وتتعطل حركتك وتطورك”..
بعد هذا السؤال هل من مفر، ولكن يظل بيضون الأكثر حيرة، وهو الذي كتب، قبل الحوار بسنوات طويلة، دون تساؤل في كتابه “المريض هو الأمل”: أيتها الغيمة، منذ متى لا تشبهين الشعر، منذ متى نجدك في علبة كبريت بين العيدان الميتة”.
عباس بيضون شاعر في أسئلته الكثيرة، وفي أجوبته الكثيرة المحيرة، وفي زرقة حبر قلمه الذي يؤرق عقل القارئ كما يؤرق تفكير الكاتب في آن معاً.