البصرة/ ع.ك.ع :
في باحته الصغيرة المحاطة بزخارف يعود تاريخها الى العهد العثماني جمع اتحاد ادباء البصرة عددا من الشاعرات اللاتي اشتركن في كتاب شعري حمل عنوان “كتاب نسوي” وهي المرة الاولى التي يشهد فيها المشهد الثقافي في البصرة مثل هكذا منجز ادبي خاصة وان المدينة التي عرفت بفنها وادبها تمر في فترة يمكن ان يطلق عليها موت سريري فيما يخص مشاركة المرأة في النشاط الادبي.
غياب قسري
غياب المرأة في محافظة البصرة عن الفعاليات الأدبية يراه مثقفون هو غياب قسري، فكثير من الاديبات يتخفين خلف اسماء مستعارة فهن يخشين من عواقب الكتابة الادبية عكس ما كان عليه الامر قبل عام 2003 حين كانت الصحف والمجلات تنشر نصوصا لشواعر بصريات، وكان في البصرة عدد منهن يكتبن باسمائهن الصريحة وفي فترة الستينيات من القرن الماضي برزت أسماء خيرية عباس ورشيدة العكيلي وخنساء يعقوب وبعدها في السبعينيات برزت الشاعرة ابتهال العبيدي وتاجية جواد، وكانت المرأة تنافس الرجل في نصوصها وتحاول ان تكسر قيودا فرضها عليها المجتمع وكان قاموسها الشعري يحمل مفردات غاية في الجرأة.. الا ان سنوات ما بعد عام 2003 وما حملته من تدنٍ واضح في كل المجالات ومنها الثقافية والادبية غابت المرأة تماماً في البصرة عن المشهد باستثناءات بسيطة لا يمكن ان ترقى لان تكون في المستوى الذي تحمله مدينة البصرة من تاريخ حافل.

وترى الشاعرة حميدة العسكري ان جملة من القيود تحدد اختيارات المرأة ما جعلها ان تضع رقيبا داخليا على ما تكتب فالمجتمع كما تقول لا يرحم خاصة في الكتابة التي تحمل ملامح ايروتيكية ذلك لان الناس لا يفصلون ما بين القصيدة والشاعرة فكل ما تكتبه المرأة يحسب عليها لهذا فأن كثيرا منهن اخترن الاسماء المستعارة تجنباً من أي حرج قد يدخلها في مشاكل لا انتهاء لها.
وتقول العسكري ان من الشواعر في البصرة ممن انتهكن الحظر المفروض عليهن وهي منهم الا انها تتحرج من القراءة عندما يتعلق الامر بالوقوف على المنصة في المهرجانات الشعرية.
الكتابة وبرمجة العقول
وتنتقد الشاعرة ايفان الدراجي تلك الآراء التي تضع الكتابات النسوية في خانة اطلق عليها الادب النسوي وهي ترى هذا التقسيم بمثابة “عزل” للمرأة امتدادا للفكر الشرقي الذي يضع المرأة بمنزلة هي ادنى من منزلة الرجل وهذا واقع حال لا يمكن انكاره وان هناك من يغذي هذه الفكرة.
وترى الدراجي ان السبب في تبويب الادب الى نسوي والى ذكوري يعود الى ان الثقافة والكتابة هي احدى أدوات الادلجة وبرمجة العقول التي تمارسها السياسات على المجتمع، وهي لا تخلو من تدخلها المباشر أي السياسة المبنية على خدمة مصالحها مستغلة عادات وتقاليد المجتمع البالية الرجعية وأيديولوجياته المستعصية على الاندماج في نمط الحياة بالقرن الواحد والعشرين الامر الذي جعل بعض الكاتبات في البصرة ان يعتكفن بعيدا عن الانظار .
فيما تؤكد الشاعرة حياة الشمري ان تقاليد المجتمع البصري تحتم على الشاعرة ان تبتعد عن تجمعات الذكور وهو امر حصر مشاركاتها في زاوية ضيقة فيما يظهر بوضوح ما اطلقت

عليه “تهميش المرأة” على المستوى الثقافي من خلال المهرجانات والايفادات حيث اقتصرت على أدباء معينين فضلا عن ان اكثيرا من المهرجانات الشعرية لا تليق بالمرأة بسبب تصرفات تجدها غير لائقة وتتسبب بابتعادها.
تحد واثبات وجود
وتحاول الشاعرة البصرية ان تثبت وجودها رغم كل التحديات المتأتية من واقع عشائري حيث ترى الشاعرة جنان المظفر ان الأدب نتاج وفكر لا يقتصر على الرجل فقط بل إن اختيار المرأة للأدب وخصوصا الشعر من أولويات حقوق المرأة لما تمتلكه من مشاعر وأحاسيس تفوق الرجل ألا إنها تبقى متحفظة بعض الشيء في اختيار مفرداتها.
فيما ترى الشاعرة والصحفية نهلة جابر “ان التجارب الشعرية النسوية في البصرة فيها الكثير من الهشاشة الداخلية، فضلا عن هزيمتها أمام بون شاسع من الشعراء الرجال والمجتمع وأنظمته” وتشير الى انه لا يمكن وضع تجارب الشاعرات البصريات بقفص الاتهام بقدر ما علينا محاكمة ظروف ما يحيين به من واقع متجبر لمجتمع كامل، كونها متهمة ومشكوك في إبداعها، فهي تحرّض لدى البعض عقده الذكورية للنيل منها أو المحاولة في إزاحتها عن طريقه.
كتاب نسوي
وبالرغم من اعتراض الاديبات البصريات لتقسيم الادب الا ان اتحاد الادباء والكتاب في البصرة اصدر كتابا تحت عنوان “كتاب نسوي” شاركت فيه 11 شاعرة قدمن تجاربهن الشعرية فيه فيما احتفى ادباء البصرة بزميلاتهم اللاتي لم تحضر اغلبهن لجلسة الاحتفاء التي قدمتها المترجمة الناقدة د.سحر احمد ويقول رئيس الاتحاد كريم جخيور ان الجنوب دائما يبتكر المطر في اشارة للمبادرة الاولى للاتحاد والتي ستعقبها مبادرات اخرى، كما يقول، من اجل دعم الاديبات البصريات ويضيف جخيور ان المشاركات في الكتاب هن: ” ايمان الفحام ود. هالة فتحي كاظم ورؤى البصري وإلهام الزبيدي وأنغام الزبيدي وروان العطية وإيفان الدراجي
حياة الشمري وحميدة العسكري وجنان المظفر وأسماء الرومي.
قيود العالم النسائي
وفي هذا يرى القاص جابر خليفة جابر أن للأدب النسوي مكانته في مجمل الأدب العربي لكن ما ينقصه هو نسبة أعلى من الجهد والنتاج الإبداعي كماً ونوعاً مع ضرورة الالتفات الى أهمية تخلص المرأة المبدعة من قيود العالم النسائي وتحديداته، وهو ما يقلل غالباً من قيمة الإبداع النسوي، فالمرجو ان تنتمي المرأة الى الهم الإنساني ككل وليس الانحباس في دوائر اهتمام ضيقة الأفق ومتدنية.
وذكر جابر ان ما يميز المشهد الادبي البصري هو غياب المرأة .. لكن هذا لايعني غياباً مخلاً للأدب والإبداع النسوي عموما فقد شكلت المرأة الاديبة حضورا معتدّاً وقدمت مساهمات منها ما يتفوق على مساحات واسعة من الاداء الابداعي الرجالي ، ومنهن من تركن بصماتهن قوية على المشهد الادبي وسجلت كتبهن وكتاباتهن رواجاً ، وإضاءات جذب للقاريء.