لؤي عمران …كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ً( 2) بقلم: هاتف بشبوش

(في منتصف سبعينيات القرن الماضي قام الحزب الشيوعي العراقي بتجميد منظماته المهنية بناءً على ضغوط من حليف الجبهة الوطنية القومية التقدمية ) الكلش وطنية وتقدمية ( في وقتها حزب البعث العربي الاشتراكي. فقد تم تجميد اتحاد الطلبة و رابطة المرأة و كذلك منظمة الشبيبة، ولذا كان على المنتسبين لهذه المنظمات أن يكونوا خارج العمل التنظيمي).
(لقد كان النظام يخطط للانقضاض على معارضيه و تأسيس أكبر دكتاتورية في الشرق الأوسط. و بالفعل وفي العام نفسه تمت مهاجمة مقرات الحزب الشيوعي واعتقال عناصره فقد غادر العراق من غادر وقد أعدم من أعدم وأعتقل من أعتقل).

(من جانبه قام الحزب الحاكم بإصدار قوانين تحرم التنظيمات غير البعثية في القوات المسلحة و أصدرت قوانين أخرى تحكم بالإعدام على أيّ عسكري في كافّة صنوف القوات المسلحة يثبت عليه انتماؤه أو تعاونه مع أي تنظيم غير بعثي. ولم يحرك الحزب الشيوعي ساكنا،ًبل جمّد عمل أعضائه الذين يساقون إلى الخدمة العسكرية، فكانت هذه الخطوة تمثل طعنة رمح قاتلة في جسد ذلك التحالف الهش أساسا).

لوْ نظرنا إلى ما حصل لاستطعنا أنْ نر بكلّ وضوحٍ ما قاله ماركس (إيّاكم والتّنازل النظريّ و المساومة على المبادئ) فما الذي حدا بقيادات الحزب الشيوعيّ العراقيّ آنذاك بالتّنازل هكذا وبشكلٍ محيّرٍ لا يقبله العقلُ السليم؟ ممّا أدى إلى تجرؤ النظام الجائر في توجيه الضّربة القاصمة للحزب والشيوعيّة آنذاك التي كانت بالأساس قد مرّت بمراحلٍ قاسيّة وعداءاتٍ كثيرة منْ قبل الحكّام ، أوّلها وليس آخرها التي شهد عليها الشاعر الشهير معروف الرّصافي حيث أنّه في ثلاثينات القرن الماضي،عبّر رئيس الوزراء حكمت سليمان عن خوفه من كلمة (الفقراء) ومعناها،لأنّه يشمّ منها رائحة الشيوعيّة،ردّه الشاعر الكبير معروف الرّصافي في خطبة في المجلس النيابي، الذي كان عضوا فيه عن لواء الدليم:
(سادتي،أنا شيوعيّ، لقد جاء في القرآن الحكيم (وفي أموالهم حقّ للسّائل والمحروم، الذاريات: 19) فالضّمير هنا يعودُ إلى الأغنياء. فسألتكم بالله: هل إنّ الشيوعيّة غير هذا؟) .
لؤي كان طالبا غرّا آنذاك فيعتقل مع مجموعة هي الأخرى معروفة في السماوة أوْ في نطاق آخر.
في التعذيب يفقدُ الوعْي مرارا ويصحوا منْ جديد على تعذيبٍ آخر منْ قبلِ مُجرمين ساديّين أوْغلوا في القتل وفقدان الضّمير(أفٍّ لها من عيشةٍ … ما بيْن وغْدٍ أو لقيطٍ ….الجواهري).
الذي يحصُل في العراق هو أنّنا مثلما نعيشُ في العصور الوسطى التي لم يكنْ فيها الضّمير موجوداً أساسا حتّى جاء شكسبير مُعلم الرّقص وهو أوّل من اكتشف الضّمير ، لو تخيّلنا العراق بهذه الصورة يعني أنّنا نعيشُ حالة الماقبل خمسمائة سنة التي كان يعيش بها شكسبير قبل اكتشافه للضّمير، حتّى و إنْ كُنّا نعيشُ هذا التّخلّف الوسطوي يُفترض أنْ يكون لؤي عمران الصبيّ الطّالب في الكليّة في خضم حياةِ الرّقص والفنّ والشّعر واللّهو مع النّساء وقِصصِ الحبّ الرومانسية الشكسبيرية آنذاك بدلا من السّجن والتّعذيب والتّنقل بيْن أيدي الجلاّدين حتّى يرى في السّجن الكثير من الأطفال والصّبية الذين لم تتجاوز أعمارُهُم الستّة عشر كما هو (محمد السيد جاسم بائع الباقلاء الفقير والمُعدم ) ولذلك قال لويس أراغون (إنـّـني لأعـجــبُ مـن الـقتــلــةِ كيف لا يلقون أسلحتهم أمام الطّفولــة…!!؟) .
هنا لؤي يُجسّد نضال الحركة الطلابيّة كما الطالب الألماني الذي أُعدم هو وأخته الطالبة هي الأخرى ( صوفيا شول) بالمقصلة من قبل نازيّة هتلر في عام 1943 ،وهي مناضلة الحركة الطلابية،وقفتْ في المحكمة وقالتْ للقاضي الذي حكم عليها ودون خوفٍ(اليوم نحنُ نقفُ هنا و غدا أنت ستقفُ مكاننا) و بالفعل أُعدِم كلّ من شارك في إعدام هؤلاء الصّبية الطّلاب بعد القضاء على النازية .
أحدُ المعتقلين البريئين مع بسام ( لؤي) وهو إبراهيم ، يُعذّب تعذيبا وحشيّا ، وهو ليس له علاقة بأيّ حزب سياسيّ ، كلّ ما في الأمر أنّ جاراً له كان ماشيا بجانب بيته فسمع من الشّباك المُطلّ على الشّارع أنّ في بيته من ينصتُ إلى إذاعة إيران ولأنّه يعرفه متديّنا فكتب عنه تقريراً إلى أسياده و عندما هاجموا بيته وجدوا قصائدا وكاسيتات للشّعر تدينُ النظام ومنها قصائد حسينية .
ثمّ السّجين موسى محي حمادي ، رجلٌ في الستين من عمره يعملُ في مكتبة السماوة العامّة وهو من أهالي كربلاء يشي به أحد المصريين يُكنى أبو منى كان ساكنا معه في أحد فنادق السماوة، حيث يظهر في التلفاز السيد الخميني الذي كان يطلب من العرب أن يُغيّروا سياستهم النفطية، فكانت جريمة موسى محي أنّه قال ( السيد الخميني) أمام هذا المصري الذي يعمل وكيل أمنٍ . فما هذا البلد المرعب الذي يأتيه رجلٌ أجنبي من مصر فيتجسّس على أبنائه؟.
( تتطرّق الرواية إلى بداية الحرب العراقية الإيرانية و اعتقال التجار لرفعهم أسعار الدولار. ولكثرة السجناء ينقل كل من لؤي ومحمد ( محمد مشل هو الآخر من أهالي السماوة) من أمن السماوة إلى الخناق ، ويوضعون في غرفة كانت ولزمن طويل تستخدم كمراحيض. ثم يسجن كلّ من توفيق وطالب وجبار . توفيق رياضي على مستوى من الممكن أن يؤهله للوصول إلى المنتخب العراقي). طالب فنان رسام ثم جبار كان في تشيكسلفاكيا وعاد إلى البلد وكان شاعراُ حيث قال في السجن :

” حبيبتي من زمنٍ فارقَتُ مدينتي فكلُّ شيءٍ سَأم
وفي رسالات الهوى بيننا سألتها تأتين؟ قالت :نعمْ
الآن أصبحت ملاكا و لي مطرقةٌ ومنجلٌ والقلم”

الكثير من المناضلين وعلى رأسهم لوركا كان ينادي حبيبته من السجن ، لومومبا يخاطب زوجته قبل الموت ويقول لها (لا الوحشية،و لا القسوة ولا التعذيب ستجعلني أطلب الرحمة) .
ثم يقول….زوجتي العزيزة (أنا أكتبُ هذه الكلمات ولا أعرفُ ما إذا كانت سوف تصلُ إليكم، وأنا ما أزالُ على قيد الحياة عند قرائتها ).
إذن هو العشقُ الممزوج بيْن حبّ الأوطان و امرأة هناك في المدن أو الأمصار الأخرى وتحت الشّمس تستكينُ لها روحُ السّجين. هذا العشقُ الذي يجعلنا نقول (ألا بالله يا رجال إذا حلّ عشقٌ بالفتى كيف يصنعُ….يداري هواهُ ويصبرُ في كلّ الأمور ويخضعُ)… هكذا هي تعاليمُ الحياة الحرّة الكريمة لوْ أراد إنشادها لؤي وهو في السّجن ، تعاليمٌ صعبةٌ للغايةِ .. أحيانا تحشُرنا في منعطفٍ خطيرٍ لا نعرفُ ما هو التّصرف حيالها.. هلْ نستمرّ في الحبّ .. هلْ نطويه ..أم ماذا؟ حلولٌ كلها على طاولةِ العقل وحبّ عينيْها أو ظفائرها التي تتمايلُ في مخيلة السّجين وعلينا الخيار …والخيار لابدّ أنْ يكون كما فعله لؤي في المضيّ قدما في الصّمود والصّبر والعناد و إغاظة السّجان و الجلاوزة المجرمين مع الإبقاء على حبّها ، بلْ نستمد قوانا الجسديّة وصمودنا منْ خلال عينيها وبريقهما. لنر أدناه كيف هي المرأة ( الأمّ) وحنوّها على بطل الرواية ( لؤي) حين تريد رؤيته ولمْ يتحقّق لها ذلك :
(ظلام وخوف، آلاف الخنافس تهاجمنا ليلاً، كان عددنا ستة معتقلين. كان المكان مراحيض سابقة قذرة، القمل كثير، أكثر من أن نسيطر عليه. لم نر شيئا،ًعزلة كاملة. أنا ذو التاسعة عشرة ربيعا أصغرهم سنّا.أصرّ طالب ( سجين مع لؤي)على كسر العزلة محاولاً الاطلاع على شيء ما، فحفر ثقبا قطره أقل من سنتمتر،لنطل من خلاله على العالم.فرأى بطل القصة ( لؤي) أمّه من خلال الثقب وهي تأتي بالطعام له لكن مفوض الشرطة طردها وظل يشتمهم ويحلف باسم القائد الضرورة .. ثم يردف لؤي ويقول …ذهبتْ أمّي مسرعة،خرجت من ذلك المكان. لا أعلم ما الذي حصل بعد ذلك، إلاّ بعد سنة و نصف عند زيارتها الأولى).

ومن الخناق في السماوة ينقلون إلى الأمن العامة وهناك يرون العديد من السجناء الأيزيديين والشيوعيين وحزب الدّعوة وغيرهم وسط سيّاط الجلاّدين والمُجرمين الذين يشتمون الخميني ولينين ثم يساقون إلى محكمة الثورة ، وهناك يُحكم على كل من لؤي عمران و جبار خضير عباس ،محمد عبد الأمير مشل ، فاضل هاني طاهر ، بالسّجن خمسة عشر عاما مع مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ثم ينقلون بعدها إلى سجن أبي غريب حيث سجنهم الدائم بلا شمس ولا بصيص أملٍ .

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجزء الثالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــث…..

هاتف بشبــــــــــــــــوش/عراق/دنمارك

عدد المشاهدات:(0)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اجب عن السؤال *

إغلاق