تبعاً لهذا، أعادت إيران وسوريا حساباتهما فيما يخص تشكيل الحكومة العراقية وفيما يخص التفاهم السابق بين أمريكا وإيران والسعودية وتركيا وسوريا على حمل السيد أياد علاوي إلى سدة رئاسة الوزارة ذلك التفاهم الذي إصطدم بممانعة شعبية عراقية قوية أخاف كل من حدثته نفسه، نكاية بالمالكي أو لأي سبب كان، بالموافقة على ترشيح السيد علاوي نظراً لما تحمله هذه الخطوة من مخاطر حقيقية على مسيرة الديمقراطية العراقية الحارسة الوحيدة لسلامة العراقيين من الفناء الذي يعلنه صراحة التكفيريون وحلفاؤهم الطغمويون.
راجعت إيران وسوريا حساباتهما وخلصتا إلى ما يلي، كما يبدو لي:
إستبعاد إسناد منصب رئاسة الوزارة إلى الدكتور أياد علاوي لأن إسرائيل ستحتاج إلى الأجواء العراقية عندما تتحرك عسكرياً ضد إيران. عندئذ، سيقع الدكتور أياد تحت التأثير السعودي – الأردني وليس السوري لأسباب معروفة. السعودية والأردن ستقفان سراً بجانب إسرائيل ضد إيران وحتى ضد سوريا وحزب الله، و “ستطلبان” من الدكتور أياد علاوي فتحَ الأجواء العراقية أمام الطيران الحربي الإسرائيلي(2)، وسيرضخ الدكتور مضطراً بحكم “التحالف” القوي معهما(3) .
للعلم، فإن إئتلاف العراقية وزعيمه الدكتور علاوي مُسْتَبْعَدان أساساً، بتقديري، من قبل إئتلاف دولة القانون بل حتى من قبل الإئتلاف الوطني (لولا الضغوط الإيرانية عليه حسب صيغة التفاهم بين إيران وأمريكا والسعودية وتركيا وسوريا)، مهما بلغت خلافاتهما الداخلية، لسبب أنهما لا يريدان:
أولاً: أن يفسحا المجال أمام إئتلاف العراقية لإعادة ضباط ومدنيين بعثيين خاضعين لقانون المسائلة والعدالة إلى أجهزة الدولة المختلفة بإسم “المصالحة”.
ثانياً: أن يقطف السيد أياد علاوي وإئتلافه ثمرات منجزات الإئتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني في مجال الأمن والخدمات وخاصة الكهرباء(4)، التي ستظهر نتائجها خلال الدورة البرلمانية القادمة، وهي المنجزات التي أرست قواعدها حكومة المالكي المدعومة من قبل الإئتلاف الوطني والتحالف الكردستاني وسط الإرهاب والدمار وعشرات الألوف من الضحايا الأبرياء على يد الطغمويين(5) والتكفيريين ووسط المعوقات والتخريب اللذين مارسهما إئتلاف العراقية بقدر وكيفية لا يقبلان الشك؛ كما يُشتبه أيضاً في تورطه بالتناغم، إن لم يكن بالتتنسيق والتعاون، مع إرهاب الطغمويين والتكفيريين، علاوة على ألاعيب الحليف الأمريكي الرامية إلى تمزيق الإئتلاف العراقي الموحد (الذي أصبح الآن التحالف الوطني) وفك عرى التحالف بين الإئتلاف والتحالف الكردستاني.
– ضرورة طمأنة الأمريكيين بترشيح رئيس وزراء لا يزعجهم من جهة قربه من إيران كمرشحي الإئتلاف الوطني المحتملين؛ ولا يخضع للأمريكيين بنفس الوقت.
خلاصةً وجدت إيران وسوريا، بتقديري، أن المالكي هو الحامل لهذه السمات. فهو وإئتلافه طبقوا عملياً وبإخلاص وصبر شعارهم “الصداقة مع الجميع والإستقلال عن الجميع والولاء للشعب والعراق”؛ وأن إئتلاف دولة القانون مصرٌّ على ترشيحه بحيث لا يتيح الفرصة للتفكير بترشيح غيره أذ أن لعبة “جر الحبل” مع إئتلاف دولة القانون قد أوشكت على النهاية دون التمكن من زحزحة هذا الإئتلاف عن تمسكه بمرشحه نوري المالكي رغم الحملة التسقيطية الظالمة التي شُنَّت ضده والتي إشتركت فيها أطراف عديدة داخل العراق وخارجه بضمنها فضائية “الحرة-عراق”، علماً أن إسرائيل قد أعلنت إستكمال إستعداداتها للهجوم على إيران وأن الوضع اللبناني آخذ بإرتفاع السخونة بتدبير إسرائيلي(6) مما لا يتيح مزيداً من الوقت أمام إيران وسوريا للمناورة.
وهكذا حُسم الموقف، بتقديري، إضطراراً لصالح إئتلاف دولة القانون ومرشحه السيد نوري المالكي.
إبلاغ “الحلفاء” الصغار:
أصبح لزاماً على إيران إبلاغ “حليفيها” المجلس الإسلامي الأعلى والتيار الصدري، وأصبح لزاماً على سوريا إبلاغ “حليفها” السيد أياد علاوي بقرار ترشيح المالكي لرئاسة الوزارة لضرورات “المصلحة العليا للأمة الإسلامية والعربية” . هنا تفجرت روح التعصب والثأر والإعتداد بالنفس والغيرة والحسد والتنافس الحزبي الضيق لدى كل من السيدين عمار الحكيم ومقتدى الصدر حيال المالكي. كان الصدر أكثر صعوبة في الإقناع لأن تياره أكثر إدعاءً ومزايدة وتخلفاً وأشد طلباً للثأر من المالكي لأن الرجل خلّص العراقيين من شرورهم وإنفلاتهم وفسادهم وإعتدائهم على حريات الناس وخاصة المرأة والمسيحيين والصابئة واليساريين ما تسبب في عدم تحسين الخدمات خلال السنين الماضية(7) وأساء لسمعة الشيعة. لذا رفض الصدر مقابلة وفد مشترك من إئتلاف دولة القانون وبعض عقلاء الصدريين في إيران للإيحاء ب “إستقلالية” قراره. ومداراةً لفخفخته، تفاهمت، بتقديري، إيران مع سوريا لتوجيه دعوة ل “سماحته” لزيارة دمشق والإلتقاء بالرئيس السوري ومن ثم برئيس إئتلاف العراقية الدكتور أياد علاوي وسط ضجيج إعلامي وإلتقاط سيل من الصور للظهور بمظهر من يملكان قرارهما بيديهما وأنهما ليسا ألعوبة بيد أحد. لم يشأ السيد عمار الحكيم، هو الآخر، أن يستسلم بسهولة لهذا الإنقلاب الدراماتيكي السريع. لهذا راح هو والدكتور عادل عبد المهدي يكيلان سيلاً من الإتهامات غير الموضوعية لمرشح إئتلاف دولة القانون. الصدريون والمجلس الأعلى يلومون المالكي على “غدره” بهم خلال السنين الماضية وهم الذين حملوه إلى كرسي رئاسة الوزراء. القضية وما فيها، كما أراها، أن الصدريين أرادوا من المالكي أن يتركهم أحراراً يعيثون في الأرض فساداً. أما المجلسيون فكانوا يريدون من المالكي، وهو يضاعف من تأييد الجماهير له بسبب نجاحه في عدة جوانب هامة، أن يُصدر كل يوم بياناً للجماهير يُذكِّرُها فيه بضرورة عدم نسيان المجلس الأعلى لأنه صاحب الفضل في صعوده إلى رئاسة الوزارة.
أما السيد أياد علاوي فقد آثر السلامة وعدم الوقوف في موقع يُضْطَرُه إلى المفاضلة بين السعودية والأردن المؤيدتين لإسرائيل وبين سوريا وإيران المُهَدَدَتين من قبل إسرائيل. لذا يُلاحَظ أن نغمة التمسك ب “أحقية” تكليفه بتشكيل الوزارة قد خفتت نسبياً بعد إجتماعه بالرئيس السوري ومن ثم بمقتدى الصدر.
لمن الشكر؟!!!
إذا صحَّت رؤيتي وأصبح المالكي رئيساً للوزراء، فليس هناك من تعقُّلٍ وحرص ونزاهة ووطنية لدى بعض العراقيين ودول الجوار لكي أرسل شكري لهم كمواطن عراقي حريص على مصير شعبه وديمقراطيته الوليدة. ولا أرى أمامي سوى عنجهية اليمين المتطرف الإسرائيلي لأشكرها لأنها ساعدت على وضع الأمور في نصابها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): قد لا يستطيع العراق، تقنياً، وتحت أية حكومة أن يمنع الطيران الحربي الإسرائيلي من المرور عير أجواءه. ولكن بإمكان الحكومة المتحررة من الضغوط السعودية – الأردنية وغيرهما من رصدها والإبلاغ عنها مباشرة إنسجاماً مع سياسة العراق المعلنة بعدم التسبب بأذى الغير والعكس بالعكس.
(2): تشير المؤشرات إلى أن أمريكا تُعد العدة لمواجهة التسلح النووي الإيراني بنَفَسٍ طويل يمتد لفترة قد تبلغ ما بين الخمس إلى عشرة سنوات.
وربما تدخل ضمن هذه الستراتيجية مسألة عزل الأحزاب الإسلامية وتمكين الدكتور أياد علاوي وإئتلاف العراقية من تبوء مقاليد الحكم في العراق عن طريق صناديق الإقتراع.
(3): أعتقد أنه لولا الكابح الأمريكي لحصل إئتلاف العراقية على أكثر من 163 مقعداً نيابياً يوم 7/3/2010 بفعل القدرة التزويرية الفنية التي دعمها المال السعودي وكانت خارج مقدرة المفوضية العليا للإنتخابات والحكومة العراقية على ضبطها. من المحتمل أن حسابات السعودية، التي كبحها الأمريكيون، كانت كالتالي: إذا قبل الآخرون هذه النتيجة، فهو أمر جيد لأن العراقية ستشكل الوزارة ويسقط العراق في الجيب السعودي. وإذا رفضها الآخرون فهي الحرب الأهلية ودمار العراق تماماً وهو المطلوب سعودياً وبحرقة.
أما الأمريكيون والأمم المتحدة فقد إكتفوا بهذا القدر المتواضع من “الطبخة” (أي أصوات بنسبة 91/89) لتفعيل المادة (76) من الدستور التي ستجعل من إئتلاف العراقية لاعباً قوياً يحتمل أن يشكل الوزارة أو أن يتقاسم رئاسة الوزارة مع دولة القانون في هذه الدورة تمهيدا لفوز “كاسح” في الدورة القادمة.ً
هذه الحسابات كانت قبل تهديد دولة القانون بإنزال الجماهير إلى الشارع لوأد محاولة “الإنقلاب الأبيض” الذي حذر منه المالكي، وقبل التصرفات الوقحة والمستهترة لليمين المتطرف الإسرائيلي.
(4): تعاقدت الحكومة العراقية أثناء ولاية وزير الكهرباء السابق السيد وحيد كريم على إقامة مشاريع كهرباء بقدرة 15 ألف ميكاواط، ومن المؤمل أن تُنجز مع البنية التحتية اللازمة كشبكة التوزيع بعد سنتين إلى ثلاثة سنوات من الآن. فإذا أضفنا إليها ما سيتبقى من القدرة المنتجة حالياً ولنفترضها (بعد الإندثار التقادمي) بحدود 6 آلاف ميكاواط ليصبح مجموع الإنتاج 21 ألف ميكا واط مقابل ما لا يتجاوز أل 15 ألف ميكاواط بعد عامين أو ثلاثة. بهذا يؤمل أن تُحل مشكلة الكهرباء حلاً جذرياً.
(5): الطغمويون والنظم الطغموية: هم أتباع الطغم التي حكمت العراق وبدأت مفروضة من قبل الإحتلال البريطاني في عشرينات القرن الماضي، ومرت النظم الطغموية بمراحل ثلاث هي: الملكية السعيدية والقومية العارفية والبعثية البكرية-الصدامية. والطغمويون لا يمثلون أيا من مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية بل هم لملوم من الجميع ، رغم إدعائهم بغير ذلك لتشريف أنفسهم بالطائفة السنية العربية وللإيحاء بوسع قاعدتهم الشعبية. مارستْ النظمُ الطغمويةُ الطائفيةَ والعنصريةَ والدكتاتوريةَ والديماغوجيةَ كوسائل لسلب السلطة من الشعب وإحكام القبضة عليها وعليه. بلغ الإجرام البعثي الطغموي حد ممارسة التطهير العرقي والطائفي والإبادة الجماعية والمقابر الجماعية والجرائم ضد الإنسانية كإستخدام الأسلحة الكيمياوية في حلبجة الكردستانية والأهوار. والطغمويون هم الذين أثاروا الطائفية العلنية، بعد أن كانت مُبَرْقعَةً، ومار سوا الإرهاب بعد سقوط النظام البعثي الطغموي في 2003 وإستفاد الإحتلال من كلا الأمرين، فأطالوا أمد بقاءه في العراق بعد ثبات عدم وجود أسلحة الدمار الشامل. كان ومازال الطغمويون يتناحرون فيما بينهم غير أنهم موحدون قي مواجهة الشعب والمسألة الديمقراطية؛ كما إنهم تحالفوا مع التكفيريين من أتباع القاعدة والوهابيين لقتل الشعب العراقي بهدف إستعادة السلطة المفقودة.
(6): صرح قبل أيام أحد الوزراء الإسرائيليين بأن الإستعدادات لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران أصبحت جاهزة. كما إن إسرائيل أعلنت قبل أيام بأن حزب الله قد نشر عشرة آلاف مقاتل من قواته على الحدود مع إسرائيل. هذا في الوقت الذي إرتفعت فيه سخونة الجو السياسي في لبنان على خلفية إكتشاف شبكة تجسس إسرائيلية في قلب نظام الإتصالات اللبناني، وإعلام السيد سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني، أمينَ عام حزب الله السيد حسن نصر الله، بأن المحكمة الدولية، المكلفة بالتحقيق في إغتيال والده رفيق الحريري، ستوجه “إتهاماً ظنياً إلى أعضاء غير منضبطين” في حزب الله ما دفع السيد نصر الله إلى الإعلان عن أن المحكمة مسيَّسة لصالح إسرائيل وأن حزب الله هو المستهدف وأن “هناك بيئة حاضنة” في لبنان للتحرك الإسرائيلي ما أثار ردود أفعال غاضبة من جانب حزب القوات اللبنانية (بقيادة سمير جعجع) وبعض فئات تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري. وأصبح الكلام عن ضربة إسرائيلية وحرب أهلية محتملتين قيد التداول في لبنان هذه الأيام.
(7) : بعد كل هذه الإساءات راح الصدريون ينظمون المظاهرات من أتباعهم (صوَّت لهم في الإنتخابات العامة حوالي 240 ألف مواطناً) مستغلين محنة الجماهير بسبب تردي حال الخدمات وخاصة الكهرباء في وقت بلغت فيه درجات الحرارة مستويات غير إعتيادية (فاقت ال 50 درجة مئوية) وفي وقت توقف فيه التيار الكهربائي المستورد من إيران وتوقفت المشتقات النفطية المستوردة من الكويت (كلها بالصدفة طبعاً) . كانت التظاهرات، حسبما كان واضحاً، جزءاً من الجهود الدعائية الضخمة ومتعددة المصادر والإتجاهات لتحميل المالكي وإئتلاف دولة القانون المسئولية متناسين أن الإخفاقات يُلام بها الأمريكيون قبل غيرهم لأن الملف الأمني كان بأيديهم حتى 1/1/2009 ولم يمنحوا الشركات الأجنبية ضمانات أمنية عندما كانت تريد تنفيذ مشاريع في العراق. حتى إلى قبل عشرة أيام أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها الموجه للمستثمرين الأمريكيين لإفادتهم بظروف البيئة الإستثمارية في دول العالم. أشار التقرير إلى المخاطر الأمنية في العراق، وهي إشارة كافية لإبعاد الإستثمار عن العراق (أشارت فضائية الحرة إلى هذا التقرير في برنامج “الطبعة الأخيرة”). زيادة على هذا، فرغم موافقة شركة (جي.إي.) العملاقة والمتخصصة في إنتاج مولدات الكهرباء الضخمة (إضافة إلى شركة سيمنز الألمانية) على تجهيز العراق بعد تدخل الرئيس أوباما نفسه بطلب من رئيس الوزراء نوري المالكي أثناء زيارته للولايات المتحدة، إلا أن الشركة إمتنعت عن الإلتزام بنصب المولدات لأسباب أمنية وهي خطوة ليست بالهينة نظراً لما قد تثيره من مشاكل تعاقدية عندما تكون الحدود الفاصلة بين مسئولية الآلة وتركيبها ضيقة عند حصول خطأ ما.
من الجدير بالذكر أن بعض أطراف الإئتلاف الوطني قد حاول في مجلس النواب عرقلة التعاقد لشراء محطات التوليد نكاية بحكومة المالكي ولو على حساب الإضرار بالمصلحة الوطنية العامة. إنها سياسة تدمير الذات التي أثبت العراقيون للأسف أنهم متفننون بها وخاصة الشيعة منهم!!