الكاتبة السورية غفران طحان، من مدينة حلب، أصدرت أربع مجموعات قصصية ورواية واحدة، والمجموعة التي سوف نقرأها “أزرق.. رمادي” هي الثالثة في تجربتها القصصية، وقد صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في العام 2019، وهي تتألف من 23 قصة قصيرة.
عنوان المجموعة ليس عنوانا لإحدى قصصها كما جرت العادة، وهو يتكون من كلمتين هما اسمان للونين، يمكننا أن نجد الرمادي في قصة “في مديح الرمادي” التي تتكون من عدة مقاطع تبدأ بمديح الرمادي لونا للثياب، ثم رمادا للنار، ثم لونا للعيون والشعر، وأخيرا موقفا (مرة أخبرت أحدهم بأنني أنبذ القتل، وأكره كل حامل سلاح، وأرفض أن أصنف مع جهة ما، فقال بأنني رمادية، قالها بنبرة حادة، وكأنها تهمة..) ص14
لقد أصبحت كلمة “الرمادي” في الذاكرة السورية الجمعية مفهوما أو مصطلحا لمن اتخذ موقفا حياديا، حسب قناعته، مما جرى وما زال يجري في سوريا منذ آذار 2011، فلم يكن مع الثورة أو الانتفاضة، وكذلك لم يكن مع نظام الأسد، وهو حسب الراديكاليين في كلا الطرفين متهم بأنه مع الطرف الآخر، وهذا ما شعرت به الراوية في تلك القصة. أما اللون الأول في العنوان “الأزرق” فلا وجود مباشر له في المجموعة، ومن المعروف أن هذا اللون يرمز إلى البحر والسماء والسعة والحرية، وقصص المجموعة تتنوع مواضيعها بين دلالات هذين اللونين.
أوزار الحرب
مع الأسف، حتى الآن لم تضع الحرب أوزارها في سوريا، وقد ذكرت سوريا صراحة في قصة “بلا اسم” كما ذكر اسم حلب في عدد من قصص المجموعة.
في قصة “علبة الأحلام” نقرأ (كنت أصر على مفردة حرب، بينما كان مصرا على أنها ما زالت ثورة) ص90
تنتهي القصة بالحبيب مذبوحا (في مكان ما من حلب) ص93
في قصة “بلا اسم” يأتي الأب إلى المشفى ليستلم جثة ابنه (أخبر الشاب أنه يقصد الغرفة التي فيها الجثث التي أتى بها الأمن في اليوم الفائت) ص30
وفيها نقرأ عن الممرضين الذين يضحكون على نكات بذيئة في حضرة الموت. تنتهي القصة بتخلي الأب عن جثة ابنه ليأخذ جسدا لشاب لمح فيه بارقة حياة.
في قصة “كمنجة” تنزح الراوية وزوجها (بعيدا عن بلاد الحرب) التي لا بد أن تعود إلى تفكيرها (أعود إلى حلب وأمارس كل طقوس الخوف. أرتعد من قذيفة هاون تمر بالقرب من بيتي هناك، وأفور غضبا من برميل قد يسقط على بيت أهلي في الطرف الآخر.. قلبي الذي قسم كحلب كان يتأرجح في خوفه) 63
أليست هذه ألوانا من الموت اخترعها نظام الأسد لشعبه الذي انتفض عليه. تنتهي القصة بموت الزوج الذي هرب من ذاك (الموت الملون) ليموت بمرض الملاريا الذي يبدو لي سببا غير مقنع لأن هذا المرض أصبح قابلا للتشخيص والعلاج. كان بإمكان الكاتبة أن تميت الزوج بسبب آخر، حادث سيارة مثلا.
في قصة “شهيد” تتماهى الراوية مع أمه وحبيبته قبل أن تنتهي بإعلان أنه الرجل السكير (عاد إلى أعلى المئذنة في الجامع الذي يطل على الطرف الآخر من حلب وأشعل سيجارة، فصاده القناص في رأسه) ص97
سيقتل (قناص الحارة) فتاة صغيرة كانت تبحث عن حجر مربع لتلعب مع صديقاتها. في هذه القصة “حجر” يصبح الخوف والموت شخصيتين قصصيتين.
في قصة “سطح شاغر” نقرأ عن صياد تحول بسبب الحرب إلى قناص يموت على يد قناص آخر.
في قصة “اختبارات القتل” وعنوانها يشي بمضمونها، القتل والعقل شخصيتان قصصيتان.
قصة “تلك التي” مروية بضمير المتكلم على لسان رضيعة ولدت بتشوهات خلقية تموت بجرعة زائدة من منوم أعطتها إياه أمها، ولكنّ أباها يدفن جثتها في قبر جماعي لأناس قتلوا في مجزرة.
في قصة “لموعد آخر” الراوية المصابة بنوبة ربو حادة تتماهي في كوابيسها مع غرقى البحر، ومع الذين ماتوا اختناقا في إحدى الشاحنات، وهاتان الطريقتان من الموت اختبرهما الكثير من اللاجئين.
الحلم منجما للقص
وظفت الكاتبة الأحلام في عدد من قصص المجموعة، وقد أشرنا سابقا إلى قصتي “لموعد آخر” التي اعتمدت فيها على الكوابيس، وقصة “علبة الأحلام” التي تنطلق من فكرة غريبة، مفادها أن الراوية لا ترى أحلاما عفوية، وإنما أحلاما ترتب وتحضر لها قبل النوم، كما إنها تستطيع إكمال ما ترغب منها.
ثمة فكرة أكثر غرابة في قصة “نبت لك قلب” تقول إن البشر كانوا قد اعتادوا سابقا أن يخلعوا رؤوسهم عند النوم. تبدأ القصة بنسيان ذلك من قبل الراوية، والبدء برؤية الأحلام، وتنتهي القصة مثل أسطورة، وذلك بعد أن تقع في الغرام وينبت لها قلب في صدرها.
ويبلغ توظيفها للحلم ذروته في القصة الأولى “حلم السمكة” وفيها تكتشف الراوية أنها لا تحلم مثل الناس بمن فيهم الصغار، وتفسر لها جدتها ذلك بأنها ربما تنسى الحلم لأن ذاكرتها قصيرة مثل سمكة. لاحقا سوف تخترع أحلاما تقصها على الآخرين ثم ستبدأ بتدوينها على شكل قصص.
فانتازيا
لا تخلو الأحلام من الغرائبية والعجائبية، وقد مر معنا بعض تجلياتهما في القصص التي وظفت الأحلام، وسنعثر عليهما في قصص أخرى، ففي قصة “لعنة” المروية بضمير المتكلم على لسان بخيل بأمواله ومشاعره، تحل عليه لعنة (من بلاد العجائب) ص66
وهي أنه يتضاءل ويصغر حجمه.
وفي قصة “شجرة” تتحول الراوية في نهايتها إلى شجرة.
وفي قصة “مقايضة” يصعد الراوي إلى السماء حتى يصل الجنة، لكنه يضطر إلى الهبوط إلى الأرض لاستعادة يده التي سقطت منه في رحلة الصعود، ثم يصعد مرة ثانية، وعلى باب الجنة يكتشف أنه ما زال ناقصا لأنه سبق له أن قايض على عقله.
ثمة في المجموعة قصتان فانتازيتان تجري الأحداث في كل منهما في قرية ما، من دون تحديد لزمان أو مكان هما “تعويذة أمل” عن الصراع بين الفرح والحزن. وقصة “حكاية مقبرة” عن صراع الأجيال، والصراع بين الموت والحياة.
جدلية الراوي والبطل
معظم القصص مروية بضمير المتكلم على لسان راوية أنثى، وغالبا هي البطلة، وأحيانا تتماهى مع المؤلفة/ الكاتبة، ففي قصة “حلم السمكة” الراوية تصبح كاتبة قصة، وقصة “في مديح الرمادي” تنتهي بـ (عمري تسع وعشرون سنة، وحرب!) ص14
وفي قصة “صوت” الراوية البطلة تحمل اسم الكاتبة (غفران)
قصة “في القلب حريق” مروية بضمير المتكلم على لسان أنثى كما يوهم السرد قبل أن يكتشف القارئ أن الضمير يعود للوحة تشكيلية. نفس التقنية اعتمدتها الكاتبة في قصة “جريمة” إذ يلف الغموض الشخصية الثانية التي يبدو أنها أنثى الراوي قبل أن يتبين أنها ذبابة. لم تكن الذبابة مقنعة مثل اللوحة، رغم النهاية الموفقة بربطها بمسخ كافكا. في قصة “سقوط” البطل مسخ أيضا نتيجة تشوه جسده، ومريض بالفيتيشية، إذ أنه مهووس بقطعة ملابس داخلية مثيرة، وهذه القصة هي الوحيدة في المجموعة المروية بضمير المخاطب الذي يحمل السرد به تقريعا ولوما وسخرية.