
Exif_JPEG_420
العنوان ؛ العتبة المضللة في النص ؛ تخاله جولة في عالم الحيوان والطبيعة إلا أنك لم تبرح عالم البشر والأدواء ،
بين السخرية والتنمر والنقد اللاذع للمجتمع البشري كتب وفضح وقدم الدواء في حبة كلمات ومعان تمسح السواد والأخضر و ربما تشوه الأخضر بالسواد بحثا عن الأفضل في مدينة لم تعد فاضلة بل غامضة مجنونة….
التمساح ورد مفردة مفرد معرف بالألف واللام سيتحدث عن تمساح بعينه يعرفه القاص والقارئ لأنه تمساح متغير بفعل فاعل ،الفاعل هو البطل الذي أوعز إليه القاص فكرة تجربة الحبة الخضراء الغامضة ،تشويق محكم لتقصي ظروف التحول ” المبارك ” من عالم البشر إلى عالم الوحوش
من البر إلى البرمائي وتنطلق الرحلة بزاد جنوني مبتكر حقق به الفوز و التألق.
—
استمتعنا بالمعالجة الفريدة التي قدمها الكاتب ،استهل بها فعل القص وكأنه يلامس الحل ؛ حيث عالج الطبيب الغامض مثل الكاتب الغامض هذا المرض المشخص بغموض ، بالخروج من الذات والمجتمع ورصد الواقع بالفصل أو الفصم والتنصل ،حالة نفسية يضع فيها الطبيب مريضه أمام الداء وجها لوجه ،فهل ينجح ؟
،الأنا الأعلى تنفصل عن الأنا الأدنى فيتحقق التوازن الوهمي . كما فصل المجتمع الأطفال الأبرياء / السائقين العابرين / عن مستنقع التماسيح
طبقات المجتمع المتطاحنة من أجل البقاء للأقوى .
“فالسائقين العابرين” كما وصفهم لا مجال لديهم للبقاء هم ساعون وراء لقمة العيش في كد وجد متواصل هم الكادحون
لا راحة لديهم ولا وقت فراغ ولا متعة للحياة غير المضي قدما ..
أما الأبرياء طبقة من المجتمع لم تع شيئا لأن الفقر والجهل حرمهم متعة الوعي إن كان في الوعي متعة .
أما المستنقع الآسن بالعفن فهو عالم المترفين والأثرياء يرقبه الجميع ،يحلم به الجميع لأنه عالم أصحاب الجاه والنفوذ والقوة ….
لكن هل حقا هم مترفون سعداء ؟هل يعيشون الجنة ؟
هل المال والنفوذ حقق لهم الراحة وطمأنينة الحياة ؟
تلك هي الحبكة الفريدة التي حبكها القاص لولوج عالم التماسيح و نقل مشاعرهم وأحاسيسهم بأسلوب نقدي ساخر .
ليخلص إلى نتيجة أن المجتمع هو المذنب الحقيقي وهو الذي يصنع رموزه وأيقوناته وتماسيحه عن قصد أو عن غير قصد. بالخوف والوهن والتسامح و الريبة والشك ….
تنمر و استهزاء بالمختلف في المجتمع يجعل منه وحشا آدميا يبحث عن حل لعودة التوازن.
والدكتور هنا لم يعرف به يمكن أن يكون أي معالج أو ناصح يمكن أن يكون تاجر المخدرات الذي قدم له قرصا يخرج به عن ضيق الواقع إلى رحابة الخيال في تجربة استهلاكية لمادة خدرت كل حواسه فانقلب وحشا ، وكشفت له حقيقة المحيطين به بقية التماسيح فعبر بصدق عما جال بخاطره .
فكان نقدا لما استشرى في مجتمعنا من استغلال و بغض واحتكار و غش وغدر هو الطبيب الغامض في الحي الغامض وسط مرضى وصفهم بالمجانين ….والحل قرص غامض
أين العقل ؟من سلبه ؟
النص بين الأدب النفسي الروحي والواقعي في أسلوب ساخر ترميزي حيث رمز الحيوان لفئة بشرية متوحشة بغيضة و المستنقع إلى عالم الجريمة والفواحش والطمع والجشع والقذارة حيث يفترس الإنسان أخاه الإنسان نكاية فيه ومصا لدمائه كرمز عن المال/ الكرامة/ العمل . ..
البطل هل هو ضحية أم جان ؟
—
إن تعاطفنا مع رؤية الكاتب الأدبية سنراه ضحية المجتمع الحديث والنظام الرأسمالي العفن والتطاحن الطبقي والعجز أمام المسؤوليات والديون وكثرة الطلبات ووو لكن هذا لن يعفيه من إخلاله بدوره وضرورة استبساله في النضال من أجل اللقمة وتحقيق الذات و تجديد النشاط ،فالحلم بقرص النجاة الذي ما إن يبتلعه الفرد حتى تتغير ذاته وواقعه لا نجده إلا لدى ضعاف النفس والهمة ،هم الجناة .
ثانيا كونه لم يبادر بخلق حلول تليق بمرضه بل استند إلى طبيب غامض في إحالة إلى خوض تجربة غير محمودة العواقب ، مجهولة….
فالقاص سخر من فئة تدّعي كونها ضحية/ مطحونة/ مفعول بها ، مستغلة ، يدعو من وراء السخرية السوداء و الإطاحة بمريضه إلى اليقظة والتوجه إلى الحلول الفعلية العملية لا الوهمية . يندد هذا النص بمن يترك سبل العمل والكفاح ويختار الهروب كحل ، هروب بالخروج من الواقع باستهلاك مخدر أم ادعاء العجز والقصور والمرض النفسي .
يذكرنا بقول شاعرنا التونسي “أبو القاسم الشابي “
أ لا انهض وسر في سبيل الحياة
فمن نام لم تنتظره الحياة
خلقت طليقا كطيف النسيم
وحرا كنور الضحى في سماه
—
لذلك كان لون الحبة أخضر رامزا إلى لون الحياة الجميلة البحث عن الجنة والنعيم عن الأمن والسلم والطمأنينة.
يبحث عن قرص يدخله الجنة مذكرا كذلك إيانا بصك الغفران الذي كان يبحث عنه ابن القارح في رسالة الغفران لعبور الصراط وبلوغ جنة النعيم لكن هنا جنته مع التماسيح أصحاب المال والنفوذ لا القيم والمبادئ .
انصاع صاغرا للغموض وتناولها في الموعد المحدد . فتراءت له بشاعة الواقع وعبر إلى المستنقع الذي نعته بالجميل / الحلم المنشود .
لتكتمل المشهدية الصارخة تؤنب الضمائر الميتة والقلوب المتكلسة .
—
قراءة في الفنيات القصصية ؛
في لغة سلسة متينة مؤدية للغرض ، بسيطة محملة بالألغاز والتأويلات و الرموز المشفرة أبدع ابراهيم ياسين رائعته و بجمل قصيرة شابها بعض الإطناب أحيانا و في تكرار مدروس كإيقاع رجعي تأثيري عبّر عن استهزاء من الواقع ،واقع عربي مرير مشوه في استسلام للوحش الزاحف عبر الحروب الباردة الآسنة يتلوى ليخنق الإنسان و الإنسانية فتعتنق دين الاحباط والاكتئاب والحسرة و السوداوية . يعرج إلى الفكري والنفسي والروحي البغيض و صناعات الفيروسات والمسكرات والمخدرات والملهيات لتبعدنا عن مفهوم العدل والمساواة و الأمن والأمان ،عن الجنة الضائعة.
وانسابت التداعيات النفسية متراوحة بين البشري والحيواني بين المادي والنفسي لتصم الصراع بالتحدي الصارخ لكل القيم والمتعارف عليه فنلج مع الكاتب عالم الغموض والمجهول واللامعقول واللامقبول في فوضى عارمة تجسدها مشهدية عالية غرائبية تفضح عالم المسخ والمتحولين جنسيا و أجناسيا و أخلاقيا وأدبيا مذكرا إيانا بكون الله خلقنا في أحسن تقويم فلماذا الكفر بالنعم ؟!
فحتى التمساح بدا في أتعس حاله وقد أشفقنا عليه من هذه النفس اللوامة .
—
البناء القصصي بدا تقليديا في بنية ثلاثية معهودة ؛ وضع البداية (خبر حبة الخلاص الغامضة)
،سياق التحول ( تجربة الحبة وتداعياتها من تنمر و فضح .)
،وضع الختام ( الشعور بالسكينة بعد التجربة وتقديم المفعول)
أو الهدوء, الاضطراب ، عودة الهدوء.
وقد نجح في توظيف تقنيات القص بمهارة موظفا زمنا مطلقا ربما مواكبا لعصرنا الاستهلاكي العجائبي مع أمكنة واقعية بين المفتوح والمغلق و الواقعي واللاواقعي الترميزي كالمستنقع والطريق السريع والسياج …
الشخصيات : اعتمد تقنية البطل التراجيدي الذي يسير نحو معاناته بتوظيف كل المحيطين به فهو ضحية الشخصيات الثانوية كالطبيب المجنون الغامض والتاجر صاحب البقالة والده الذي حشر فكرة الشياطين عمدا في ذهنه وحرمه متعة ممارسة ما يرغب فيه و الأطفال الفرحين والمجتمع…
الحبكة تصاعدية تتكثف وتتعمق كبالونة تتعاظم لتنفجر كالحقيقة في نهاية الأحداث لترسم معالم الختام.
علاج بدا مشوبا بالآثار الجانبية تلك العقبات التي تحبطنا بزرع الوهمي وتكميم الأفواه فننبت عن واقعنا في استبلاه .
الفكرة ؛ معالجة ذكية لفكرة بسيطة مستهلكة خرج بها عن المألوف وأحسن اختيار مصعده الأدبي تمساح كحيوان غير مستهلك في الأدب العربي لابتعاده عن واقعنا لكن تجسيده وتلبيسه الشخصية بطريقة طريقة عايشها القارئ بتشويق لمزج الصورة وتأثير الحبة والقضية المعالجة في مخيالية عالية الجودة ابتعدت بنا عن المستنقعات المائية إلى مستنقع اجتماعي أحسن رصده وتأثيثه .
فوز مستحق و قلم مائز يستحق التتويج
بورك القلم ودام الإبداع .
—
قصة التمســــــاح ابراهيم ياسين/ لبنان
لم أعرف من قبل حبّة دواء بهذا الاخضرار. لا أتكلّم هنا عن خضرة الأعشاب والأشجار التي نصادفها كل يوم. كان لونها أغرب من كلّ هذا حتّى أنّني شككْت بوجود هذه الدّرجة من اللّون الأخضر في الطّبيعة. كنت كما الغريق الذي “يتعلّق بقشّة” مضطرّاً لتجربة أي شيء جديد لعلاجي من فرط الانفعال الذي بدأ يحوّل حياتي إلى جحيم بعد أن فشلتْ جميع البدائل العلاجيّة وما أكثرها بين يدي رجال الطب والدين على حد سواء.
شيءٌ خفيّ دفعني إلى الوثوق بهذا الشّيء الغامض. ربّما الغموض بحدّ ذاته يملك غوايةً لا تملكها الأشياء الواضحة. حتى الطّبيب الغامض ذو العيادة الغامضة في الحيّ الغامض بدا شديد الإقناع وهو يناولني الحبّة بتأنٍّ وهو يوصيني ويضغط على كلماته “احذر الآثار الجانبيّة!”
كان ابتلاع الحبّة أوّل عملٍ أقوم به في الصّباح التالي. ومثل كلّ اللّاهثين خلف معجزةٍ ما، انتظرْت مفعولاً سحريّاً في اللّحظات الأولى، كأن يولد في داخلي إنسانٌ جديد أو أن أشعر بجدارٍ داخليٍّ سميك وُلِدَ للتوّ لتحصيني من كلّ ما في الخارج، بيد أن أيٍّاً من ذلك لم يحدث.
كان شرطيّ المرور الذي خالفني وأنا في طريقي إلى العمل؛ الاختبار الأوّل للحبّة، وأشهد بأنّها نجحتْ نجاحاً باهراً آنذاك. لم تراودني المشاعر المعتادة يومها، بل على العكس من ذلك لم يُثِر المشهد فيّ أي انفعال يُذكر. بدا وكأنه مشهدٌ تلفزيوني وأنا أشاهده من على كرسيّ السّائق.
حتى عندما وصلْت متأخراً إلى الدّوام، راحتْ توبيخات المدير تنهال عليّ برفقٍ وكأنّها رذاذ مطرٍ ربيعيٍّ هادئ وهو الذي اعتاد شحذ عباراته الحادّة وتفخيخها بأقوى الكلمات اللّاذعة.
حتى صاحب البقالة الذي قابلْته في طريق عودتي إلى البيت بدا وكأنه يُطلعني على لوحةٍ فنيةٍ فائقة الروعة وهو يرفع في وجهي صفحةً من دفتر الحسابات المحشوّ برسوم وأرقام ديونٍ تراكمتْ عليّ ولم أسدّدها حتّى اللّحظة.
دخلْت المنزل وأنا أصفّر لحن إحدى الأغنيات الشعبية. لم أتذكّر متى صفّرت آخر مرّة، ربّما حين كنت صغيراً يوم نهاني والدي عن ذلك بحجّة أنّ التّصفير يستدعي الشٌياطين ويطرد الملائكة. دخلْت الحمّام لأغسل وجهي على إيقاع المقطع الثّاني من الأغنية. نظرْت إلى المرآة وشاهدْت بفزعٍ ما اعتقدْت أنّه أوّل الآثار الجانبيّة.
بدا وجهي مائلاً إلى الخضرة الدّاكنة وفمي أطول من حجمه المعتاد حتّى كاد يلمس المرآة. صرخْت بفزعٍ فبانتْ أسناني للحظة. كانت طويلةً جدّاً وحادّة أكثر من العادة وجاهزة لتقطيع طعامٍ أقسى بعشرات المرّات من وجباتي المعتادة. نظرْت بهلعٍ أتفقّد أيّة تغييراتٍ أخرى في بدني فهالني جلدي بسماكته المستجدّة وشكله الجديد المقطّع إلى مستطيلاتٍ متراصّة كأحجار القرميد.
هرعْت إلى غرفة النّوم لأبدّل ملابسي كي أقصد عيادة ذلك المجنون لأفرغ في صدره بضع رصاصاتٍ علّني أخلّص الطبّ والبشريّة على حدٍّ سواء. عانيْت بشدّةٍ أثناء إدخال رأسي الجديد في فتحة القميص الضيُقة. غير أنّي ما استطعْت بشتّى الوسائل ارتداء البنطال الذي حال بينه وبين جسدي ذيلٌ أخضر طويل انبثق لتوّه مختتماً سلسلة الآثار الجانبيّة للعقار.
هبطْت الشارع وأنا أقاوم بطء مشيتي الثّقيلة التي أصبحت على أربعة أطرافٍ بدلاً من اثنين. جميع من كانوا في الشّارع راحوا يشيرون إليّ بذعر. بعضهم لم يفوّت التقاط اللّحظة لتوثيقها على جوّاله، والبعض هرّب أطفاله من المكان خشية هجومٍ مباغتٍ مني، بينما أخذ البعض يطالب بإخطار السّلطات فوراً لإرجاعي إلى المكان الذي أُفلِتُّ منه.
حضر أخيراً بضعة رجالٍ بأزياء خضراء تشبه جلدي إلى حدٍّ كبير. أطلق أحدهم عليّ طلقةً مخدّرة كانت كفيلةً بأن أنغمس في ظلامٍ دامس لفترةٍ ما زلت أجهلها.
أستيقظُ اليوم ككلّ نهارٍ في مستنقعي الجميل الذي أُنشئ خصيصاً لي ولأقراني على تلّةٍ رابضة على كتف الطريق السريع. يلوّح الأطفال لنا من سياراتهم فلا نشعر كالعادة بأي انفعالٍ يُذكر. تعرّفت على الكثير من الأصدقاء مذ حضرْت إلى هنا. بدا الكثير منهم مألوفاً لي. لا شكّ أن زبائن ذلك الطبيب المجنون كانوا كُثُراً؛ ولا شكّ أنهم في ازديادٍ مستمر.
أذرع أرجاء المكان وصولاً إلى السّياج المعدنيّ الفاصل بين المستنقع والطّريق. أراقب السّائقين بشماتةٍ والحياة تطبع على وجوههم شتى أنواع الانفعالات. أعود إلى المستنقع ثمّ أحبس نفساً عميقاً في صدري وأغوص في الأعماق مغمضاً عينيّ وفي ذهني يتردّد صفيرٌ للحن أغنيةٍ أحبّها بشدّة.