“هل انتهيتَ من قهوتِكَ؟
أعطني فنجانَكَ…”
قالتها الغجريّةُ التي بزغتْ من العدم،
كأنّها طيفٌ هبطَ من صدى ليلٍ قديمِ السُّدُم…
عيونُها موشّاةٌ بكحلٍ أسودَ
كجناحِ غرابٍ إذا خفقَ في هواءِ الليل،
وعلى عنقِها حُليٌّ تُطنّ كالنواقيس،
وفي لسانِها مكرُ نساءِ الوبرِ ممزوجًا بالسمِّ ..
وفي قسماتِها طقوسُ غموضٍ
تُثيرُ رهبةً تشبهُ رجفةَ قلبٍ
لامستْه يدُ الظُّلَمِ…
رفعتْ اليه سبّابتَها قالت:
“هاتِ بعضَ الدنانير… وأقرَأْ لكَ الطالعَ.”
“يا سيد القوم …
أرى السَّقَمَ يسري في جسدِك
سريانَ السهمِ إذا لامسَ العظم..
وأرى ظلمًا طوّقكَ حتى ضاقَ عليك الهواء
وقهرًا يوقدُ صدركَ
إيقادَ الجمرِ في هشيمِ الليل،
وآهةً تُخفيها عن قومِكَ
مخافةَ الشماتةِ واللَّوم.”
فردّ عليها بصوتٍ يشبه صليلَ سيفٍ
طُعنَ في صميمِه:
“كُفّي يا امرأة…
هذا داؤكِ الذي تسقينهِ للناسِ سُقياً مُرًّا،
تروّعينَ القلوبَ بما تدّعينه.
لو علمتِ الغيبَ لملكْتِ خزائنَ الأرض،
أمّا الغيب
فلا يعلمُهُ إلا اللهُ وحده،
فتوبي لربّكِ قبل أن يُصيبَكِ سوطُ الندم.”
وقد انكسرت حدّةُ صوتِها،
وسقطَ من عينيها بعضُ القناع:
«ما قرأتُ الغيبَ يا سيّدَ الصمت،
ولا ادّعيتُ مفاتيحَ السماء،
أنا أقرأُ وجوهَ الرجال
حين يثقلها الحمل،
وأسمعُ أنينَ القلوب
حين تخافُ أن تُسمِع.
أنا ابنةُ الطرقات،
علّمتني الليالي
أن الوجعَ إذا طال
صار ملامح،
وأن القهرَ إذا اشتدّ
صار لغة.
ما خوّفتُك،
أنا فقط سمّيتُ ما تسكنه،
فالجرحُ الذي تخفيه
يُفصح عن نفسه
ولو صمتَ اللسان.
أمّا الغيب…
فهو لله، نعم،
لكنّ البشر
يتركون آثارَ آلامهم
على الأكتاف،
في العيون،
وفي طريقة الوقوف أمام القدر.
فامضِ بسلام،
واحتفظ بدنانيرك،
خذ يقينك معك،
واترك لي شكوكي،
فنحن — يا سيّد —
نلتقي دائمًا
في منتصف الطريق:
أنتَ تؤمن بما في السماء،
وأنا أصدّق
ما يئنّ على الأرض.»
سُداد البغدادي(القلم الجريح)