المقدمة:
إن الكتابة الروائية، كفضاء نثري متداخل بين الواقع والخيال، بين الوعي والذاكرة، تحمل في طياتها إمكانات معرفية وفلسفية تتجاوز حدود السرد التقليدي. وفي هذا الإطار، نجد أن النصوص السردية للأديب المصري أحمد طايل تقدم رؤية سردية خصبة تمزج بين العمق الفلسفي والتوثيق الوجودي للخبرات الإنسانية، لتشكل بذلك مشروعا روائيا يواكب التحولات النفسية والاجتماعية والثقافية في سياق العالم العربي المعاصر. إن هذه الدراسة، “الأنطولوجيا والسيميائية في المتن الروائي لأحمد طايل”، تسعى إلى تقديم قراءة نقدية منهجية متعددة المستويات للخيوط الدلالية والبنائية في سبع روايات تمثل متنا سرديا متكاملا في رؤية طايل الروائية.
إن اختيار هذا الموضوع ينبع من إيمان أكاديمي راسخ بضرورة تجاوز قراءات الأداء السردي السطحي في الأعمال الروائية الحديثة، إلى قراءة أعمق تعنى ببنية الوعي الإنساني داخل النص، وبالذات في سياق تلك الأعمال التي تنشغل بقضايا الهوية، الذاكرة، الزمن، والمكان، وهي مفاهيم شكلت جوهر المشروع الروائي لدى طايل في معظم أعماله. فالأدب، وفق هذا المنظور، زيادة على أنه انعكاس للمجتمع، فهو محاولة لفهم الوجود الإنساني في لحظة تفاعله مع ما يحيط به من قيم وسرديات ثقافية واجتماعية.
في هذا العمل، سنعتمد مقاربات نقدية متكاملة :المنهج الأنطولوجي الذي يعنى بالوجود والعلاقة بين الذات والعالم، والسيميائية المتأخرة التي تعنى بتحليل العلامات داخل النص وتفسير دلالاتها، والنقد الثقافي الذي يضع النص السردي في سياقه الاجتماعي والسيكولوجي. إن هذا التثاقف المنهجي يمثل رؤية نقدية شاملة تسمح بفهم النص الروائي بالدرجة الأولى على أنه تركيب معقد من العلامات الدالة التي تؤسس لبنية وجودية وفلسفية. وقد اتخذنا هذا النهج تحديدا لأن نصوص طايل تظهر تكرارا واعيا للتيمات المركزية التي تتعلق بالوجود والذاكرة، وهي تيمات لا يمكن تفسيرها بكفاءتها إلا عبر هذا النوع من التحليل المتعدد المستويات.
وقبل الانطلاق في قراءة الأعمال السردية نفسها، من المهم تقديم مدخل موجز إلى شخصية الأديب ومشروعه الفكري. ولد أحمد طايل في طنطا سنة 1956، ونشأ في بيئة زراعية ريفية تتسم بالدفء الاجتماعي والحميمية المعرفية؛ وهي البيئة التي سيظل تأثيرها واضحا في نصوصه الروائية، سواء في بناء الفضاء السردي أو في تمثيل الشخصيات. وقد عمل طايل لسنوات طويلة في القطاع المصرفي، وهو ما منح رؤيته نبرة خاصة في تناول القضايا الاجتماعية والاقتصادية داخل نصوصه، حيث تتقاطع القيم الإنسانية العميقة مع تعقيدات الحياة المعاصرة في مجتمعه.
إن تجربة طايل البحثية والثقافية لم تقتصر على السرد فقط، بحيث أنها امتدت إلى الكتابات الصحفية والتحقيقات الثقافية، كما شارك في صفحات ثقافية وصحفية منذ أوائل الثمانينات، مما يعكس وعيه العميق باحتياجات الثقافة العربية المعاصرة وإسهامه في الحوار الثقافي العام. وقد أظهر في حواراته حرصا على تحرير الفكر العربي من الانغلاق والانزياح عن الذات والهوية، وهو ما يتجلى في رؤيته لأدب يتجاوز حدود المحلي إلى العالمي، انطلاقا من العمق المحلي نفسه.
في أعماله الروائية، يشتغل طايل على مفاهيم الذاكرة والحضور والغياب والعودة، ويتعامل مع هذه المفاهيم أكثر من كونها موضوعات سردية، فهو يعتبرها عناصرا تشكل بنية الوجود لدى الشخصيات. فالذاكرة، في هذا السياق، تتحول إلى فعل مقاومة للنسيان، وإلى أداة لإعادة بناء الهوية الذاتية والجماعية. وقد تناول في رواياته قضايا اجتماعية مركزة لا تخرج عن صلب التجربة الإنسانية، لكنها تعرض بأسلوب يتسم بالإحالة إلى ما هو وجودي وعميق؛ ذلك أن الإنسان، في عالم طايل الروائي، يمارس الوجود كحقل معقّد تتداخل فيه قيم الماضي، وضغوط الحاضر، وإمكانيات المستقبل.
ومن هذا المنطلق، تبنت هذه الدراسة قراءة رواياته باعتبارها تكونا سرديا كثيفا، لا يمكن اختزاله في البنية السطحية للحبكة وحدها، بل يجب فهمه بوصفه نصا متداخلا مع سياقات أوسع تتعلق بالوجود الإنساني، بالذاكرة، بالذات، وبالآخر. إننا هنا لا نبحث عن تعدد أحداث وتقلبات درامية بمفردها، إننا نبحث عن أبعاد فلسفية وجودية ودلالات رمزية متجذرة داخل السرد نفسه، تتلوى عبر تكرار التيمات والسياقات البنائية. وهذا ما جعل من المنهج الأنطولوجي والسيميائي الخيار الأنسب لقراءة هذه النصوص. كما أن النقد الثقافي سيمكننا من ربط هذه الروايات بمحيطها الاجتماعي والفكري، مرافقا النص بالبيئة الثقافية التي أنتجه فيها كاتبها.
الإطار المفاهيمي لهذه الدراسة ينبع أيضا من رؤية نقدية ترى في الرواية أداة تأمل في الذات والوجود، أكثر من مجرد سرد لأحداث متسلسلة. وهذا التوجه يتماشى مع ما نجده في الأقوال والمواقف الفكرية لأحمد طايل نفسه، الذي يؤمن بضرورة التفاعل النقدي مع الذات والآخر، وإدراك السياق الثقافي الأوسع الذي ينتج فيه النص، وهو ما يجعل من أعماله النصوص التي تستحق قراءة نقدية معمقة.
بهذا ينطلق هذا المشروع في أبوابه الثلاثة: استكشاف البنية السردية والأنطولوجية للزمن والذاكرة (الباب الأول)، ثم تحليل الهوية والنسق الاجتماعي عبر الشخصيات والدلالات السيميائية (الباب الثاني)، وختاما دراسة الميتاسرد والسيرة والاختتام الفلسفي للمشروع (الباب الثالث). إن هذا التوزيع لا يهدف فقط إلى إبراز مراحل التحليل، إنما يهدف أيضا إلى تقديم رؤية متكاملة تمكن القارئ من فهم عمق النص ومقاصده الفلسفية، بعيدا عن الانطباعات السطحية.
إن اختيار دراسة أعمال أحمد طايل الروائية لم ينبع من رغبة في تحليل نصوص سردية ضمن إطار نقدي تقليدي، كان من قناعة بأن هذا المشروع الروائي يطرح أسئلة تتجاوز الأدب بوصفه فنا، لتلامس مناط الوجود الإنساني ذاته. فقد بدت العناصر المتكررة في كتاباته – من الذاكرة، والعودة، والعائلة، والقرية، والميراث القيمي، والموت، والغياب- وكأنها نسيج فلسفي يعيد تشكيل الخبرة الإنسانية من جذورها، وإن كانت تبدو للقارئ العادي كأنها مجرد عناصر حكائية تتوالى على صفحات الروايات. وقد شكل هذا الوعي الدافع الأول لتبني هذا النوع من المقاربة، التي ترى في النص الأدبي حدثا معرفيا وكشفا أنطولوجيا قبل أن يكون حكاية أو بنية فنية.
وإذا كانت بعض القراءات النقدية تنطلق في تقييم الأعمال الروائية من التركيز على عناصر الحبكة، وبناء الشخصيات، واللغة، وتعدد الأصوات وتوترات السرد، فإن هذا المؤلّف يسعى إلى تجاوز ثنائية النجاح/الإخفاق الفني إلى مقاربة أكثر عمقا، تعنى بما يحرك النص من الداخل: الوعي الوجودي الذي يؤطر التجربة الإنسانية كما تتجلى في السرد، كما قال طايل في إحدى الحوارات: “أمران أحرص عليهما فيما أكتب وهما الجانبان الرؤيوي والجمالي، ضمن معادلة أزعم المقدرة على دمجهما. لم أكتب إلى الآن ما لا يخدم رؤيتي كإنسان ذي خصوصية”.
فلسفة هذه الدراسة إذن قائمة على أن الأدب لا يقاس دائما بمقدار تعقيده الفني، بل بمقدار ما يخلقه النص من أسئلة كبرى حول الإنسان، والوعي، والذاكرة، والماهية. ومن هنا جاء القرار بأن تكون هذه المقاربة ذات بعد فلسفي-ثقافي مزدوج، لا يتجاهل الأدوات السردية، لكنه يتجاوزها ليبحث فيما وراءها.
لقد تبين، من خلال قراءة أعمال أحمد طايل السبعة، أن الكتابة عنده أكثر من مجرد مشروع روائي متتابع، نحن نعتبرها رؤية متكاملة تشكل حلقات في سلسلة واحدة. فالروايات – رغم اختلاف عناوينها وزمن كتابتها – تظهر تماسكا دلاليا ومعرفيا يسمح بالنظر إليها كـ “كوربس” متكامل، لا كأعمال منفصلة. هذا ما يجعل الدراسة الحالية تسعى إلى تقديم قراءة شاملة تضع النصوص السبعة داخل إطار واحد، وتعتبرها تجليات متعددة لمشروع سردي وفلسفي واحد، يعيد صوغ الإنسان في مواجهة ذاته ومجتمعه وعالمه.
وتتضاعف أهمية هذه القراءة إذا أدركنا أن طايل ينطلق من تجربة اجتماعية ومهنية وثقافية تتسم بالتناقضات؛ فهو ابن قرية راسخة الجذور في دلتا النيل، لكنه في الوقت نفسه رجل عرف المدينة، وتقلد وظائف مصرفية، وعاش في فضاءات اجتماعية تتقاطع فيها القيم التقليدية مع مقتضيات العصر. وهذا التنوع في التجربة الحياتية سيترك دون شك أثره العميق في أعماله، حيث تتجاور القيم القروية الأصيلة مع متطلبات المؤسسات الحديثة، خاصة المؤسسات المالية، التي تظهر في رواياته بكونها فضاءات رمزية للصراع بين القيمة والمنفعة، بين الأخلاق والربح، وبين الاستقامة والضغط الاجتماعي.
هذه الخلفية المتعددة هي التي دفعت إلى اعتبار رواياته نصوصا بينية، أي نصوص تقف بين حدود الأنواع الأدبية والأنظمة القيمية والمجالات الاجتماعية. ولأجل هذا، جاء القرار بأن تقرأ هذه الروايات من خلال ثلاثة محاور منهجية كبرى:
أولا: المقاربة الأنطولوجية
وتهدف إلى النظر في النصوص كخطاب عن الوجود، وعن العلاقة بين الإنسان وزمنه وذاكرته، وعن تجربة العودة الدائمة إلى الأصل – سواء كان هذا الأصل مكانا، أو قيمة، أو إنسانا، أو لحظة زمنية-. إن تكرار مفهوم العودة في أعمال طايل تقنية سردية، لكنها بكل تأكيد ترسيخ للحاجة الوجودية إلى ترميم الذات عبر استحضار ما يشكل جوهرها الأول. ولهذا ركزت هذه المقاربة على الزمن، والذاكرة، والهوية، كعناصر أنطولوجية لا يمكن تجاهلها في فهم مشروعه الروائي.
ثانيا: المقاربة السيميائية المتأخرة
وقد اتخذنا هذا المنهج لأن نصوص طايل – رغم بساطة لغتها – مشبعة بالعلامات، وخاصة العلامات البارزة في العتبات النصية كالعناوين، والإهداءات، والوصايا، والتذييلات، وهي عناصر تستحق قراءة دقيقة لأنها تشكل إطارا معرفيا يسبق النص أو يوازيه، ويمنح القارئ مفاتيح لفهمه. وقد تبين أثناء القراءة أن العناوين نفسها تحمل قدرا كبيرا من الدلالة المختزلة، كأنها نصوص قائمة بذاتها. وأمثلة ذلك كثيرة: “الوقوف على عتبات الأمس”، “عيد ميلاد ميت”، “شيء من بعيد ناداني”… وكلها عناوين تحمل بنية فلسفية مكثفة تشي بطبيعة العالم الروائي قبل الدخول إليه.
ثالثًا: النقد الثقافي والسيكولوجي
وقد بدا ضروريا لفهم علاقة النص بمصادره الثقافية والاجتماعية، ولتفسير العناصر التي تتكرر داخل الروايات بوصفها تمثيلات لوعي اجتماعي أوسع، وليس مجرد اختيارات جمالية. فالعمل المصرفي، مثلا، لا يظهر في نصوص طايل كإطار مهني فحسب، لأننا نجده يتحول إلى رمز للنظام الاقتصادي والقيمي الذي يفرض منطقه على الإنسان، ويضعه بين مطرقة الواجبات العملية وسندان الحفاظ على منظومة القيم العائلية والريفية. وهنا يصبح التحليل الثقافي ضروريا لتفسير هذا الصراع.
ولذلك، لم تكن الرغبة مجرد تقديم قراءة نقدية، لأنا رمنا تقديم كتاب أكاديمي متكامل يبرر اختياراته، ويمنح القارئ الأدوات المعرفية التي تمكنه من فهم سبب اختيار هذه المناهج دون غيرها. فالدراسة لا تريد أن تجبر القارئ على قبول نتيجة مسبقة، على العكس من ذلك إنا وبكل موضوعية تتيح له أن يتابع تطور الفكرة عبر فصول واضحة، حيث ينتقل التحليل من الزمن والذاكرة إلى الهوية والمجتمع، ثم إلى الميتاسرد والرؤية الفلسفية، دون أن يفقد تماسكه.
وقد اعتمدنا في هذا المؤلّف بناء منهجيا هرميا يتوزع على ثلاثة أبواب، كما جرى عرضه في الجزء الأول، لكن هذا الجزء من المقدمة يسعى إلى شرح الأسباب العلمية وراء اعتماد ذلك البناء. فالباب الأول – المعنون بالبنية السردية والتشكيل الأنطولوجي للذاكرة – لم يصمم ليكون قراءة تقنية في الزمن والفضاء، إنما وضعناه في مقدمة الدراسة لأنه يمثل المدخل الطبيعي لقراءة باقي الروايات. فمن دون فهم بنية الذاكرة في أعمال طايل، لا يمكن فهم الشخصيات، ولا الأحداث، ولا دوافع العودة، ولا طبيعة السرد الدائري الذي يطبع كثيرا من نصوصه …
أما الباب الثاني، الذي يتناول الهوية والماهية ونقد النسق الاجتماعي، فقد جاء لأن أعمال طايل كلها تقريبا تدور حول سؤال الهوية – سواء هوية الفرد، أو العائلة، أو المجتمع، أو القيمة نفسها-. وتحتاج مقاربة هذا السؤال إلى منهج يسمح بفهم البنية الثقافية التي تنتج الشخصيات، و’الأركيتايبات’ التي تتكرر في أعماله، خاصة شخصيات الأب والأم، وشخصية ‘البطل العادي Everyman’ التي تظهر باستمرار كمحور للقيم لا كمحور للأحداث.
ثم يأتي الباب الثالث، الذي يعالج الميتاسرد والسيرة والموت كخاتمة فلسفية للمشروع السردي. وقد وضع هذا الباب في النهاية لأنه يتعامل مع طبقة أعلى من النص، طبقة تتطلب فهما عميقا لما سبق، ولا يمكن استيعابها من دون المرور بالتحليل الأنطولوجي والسيميائي. وهذا البناء يتيح للقارئ أن ينتقل من القراءة الوصفية إلى القراءة الفلسفية بسلاسة.
يكتسب هذا الكتاب مشروعيته من طبيعة النصوص الروائية التي يتناولها، ومن طبيعة الأسئلة التي تثيرها لدى القارئ والباحث على حد سواء. فالدراسات الأكاديمية التي تعنى بالمقاربات الفلسفية والسيميائية في الأدب العربي المعاصر ما زالت محدودة، سواء من حيث الموضوعات أو من حيث العناية بمنجز الكتاب الذين يشتغلون خارج الدوائر الأكاديمية الصرفة. وحين يتبين أن كاتبا مثل أحمد طايل قد بنى مشروعا سرديا متسقا يمتد عبر سنوات، فإن الحاجة تصبح ملحة إلى دراسة تنظم هذا المتن، وتعيد ترتيب عناصره، وتكشف الروابط الخفية بين نصوصه. من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب، باعتباره أكثر من قراءة إضافية لنصوص روائية، فقد أردنا ان يكون خطوة أولى نحو وضع مشروع طايل ضمن سياق النقد العربي المعاصر، مع منح هذا المشروع قيمة أكاديمية تليق باتساقه وتماسكه.
لقد وضعت هذه الدراسة على أساس أن النص الروائي كمادة حكائية وفي نفس الوقت كوثيقة ثقافية، وسيكولوجية، واجتماعية، وفكرية. ومن هنا، كان من الضروري أن نبدأ مؤلّفنا بمقدمة موسّعة تعرف بالمشروع الذي تنتمي إليه هذه النصوص، وتشرح للقارئ طبيعة الرؤية التي تحكم هذا العمل الأكاديمي، وأسس الاختيارات التي وجهت بناء الفصول والأبواب. إن أي دراسة نقدية، لكي تكون ذات قيمة، يجب أن تدرك أن القارئ يدخل معها في تبادل معرفي؛ فهو يأتي متطلعا إلى فهم جديد للنصوص، ويخرج وقد حمل معه تصورا أكثر عمقا عن طريقة اشتغالها، وعن علاقتها بمحيطها الثقافي والفكري. وهذه المقدمة هي الخطوة الأولى التي تمهد لهذا الفهم.
إن النصوص الروائية التي يتناولها هذا العمل تمثل، في مجموعها، تجربة سردية لها خصوصيتها وفرادتها داخل المشهد الأدبي المصري والعربي. فهذه الأعمال لا تكتب تحت ضغط اللحظة الآنية، ولا توجه إلى جمهور يسعى إلى استهلاك حكائي سريع، إنها بكل فخر تدون برؤية تعنى بالإنسان في رحلته اليومية نحو إدراك ذاته وموقعه داخل العالم. وهذه الرؤية تتبدى بوضوح في انشغال الروايات بقضايا ذات طابع اجتماعي شامل: البحث عن الأصل، توارث القيم، العلاقة مع الماضي، إدراك الحاضر، وحضور العائلة كإطار حامل للمعنى. وهي قضايا تجعل من مشروع طايل مشروعا ينتمي إلى الأدب الذي يحرص على تأسيس هوية سردية لا تنفصل عن هوية الذات.
ومن هنا، لم يكن الغرض من هذه الدراسة أن تقدم أحكاما أو تقييما للأسلوب أو اللغة أو البناء الفني، فهذه الجوانب – رغم أهميتها – ليست الهدف الأول للمؤلف كما أشرنا سابقا. إن الهدف الأول هو أن يضع هذا العمل النصوص السبع في موقعها الطبيعي داخل سياق الإنتاج الأدبي العربي، وأن يعرف القارئ بالمبادئ التي تجعل من هذا الكوربس وحدة متماسكة تستحق الدراسة. ومن اللافت في هذا السياق أن طايل يكتب من خارج المؤسسة الأدبية التقليدية، دون أن يفقد القدرة على تقديم خطاب تتقاطع فيه الإنسانية والحكمة الشعبية والتجربة الحياتية المباشرة. وهذا وحده يبرر ضرورة التعاطي مع نصوصه كمواد خصبة للدراسة متعددة المقاربات.
وقد جرى في هذه المقدمة التمهيدية التركيز على الجانب التعريفي والتأطيري، بمعنى تقديم المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة العمل، دون التوغل في التفاصيل التحليلية التي ستأتي في صفحات لاحقة. إن هذا التقديم ضروري، لأنه يمنح القارئ فكرة واضحة عن طبيعة الموضوع، ويساعده على الدخول إلى الفصول بروح نقدية وذهنية مستعدة لفهم طريقة بناء الدراسة. فالقارئ هنا مقبل على قراءة مشروع يمتد على عشرات الصفحات، ومن ثم يحتاج منذ البداية إلى تصور شامل حول المنهج، والهيكلة، والمبررات، وحول سبب الجمع بين مقاربات تبدو للوهلة الأولى غير متجانسة، لكنها في الحقيقة متكاملة.
وفي هذا الإطار، نوضح في هذه المقدمة أن اعتماد هذا المنهج المركب لم يكن نتيجة اعتباطية بحسب طبيعة النصوص المدروسة. فهناك نصوص ثقيلة بالعلامات، وأخرى غنية بالبنية الزمنية، وأخرى تسير في خط مواز للسيرة الذاتية، مما يجعل من الضروري أن تقرأ عبر أكثر من منظور. كما أن الاختلاف الواضح بين خلفية المؤلف الريفية وبيئته المهنية الحديثة منح نصوصه طابعا مزدوجا، يستدعي تحليلا يتجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، نحو قراءة ذات عمق ثقافي وفلسفي واجتماعي.
ويأتي هذا العمل، كذلك، في سياق رغبة بحثية في إعادة الاعتبار لكتاب ينتمون إلى التجربة الحياتية المباشرة، لا إلى التجربة الأكاديمية الصارمة وحدها. فالأدب العربي عرف أسماء كبيرة خرجت من عمق الحياة اليومية، ومن تجارب العمل البسيط، ومن الاحتكاك المباشر بالناس. وأحمد طايل ينتمي إلى هذا النوع من الكتاب الذين أثبتوا أن الأدب ليس حكرا على المختبرات الجامعية، وإنما هو فعل إنساني أصيل ينطلق من التجربة والمعاناة والتأمل. وهذا ما يجعل من دراسة نصوصه إضافة حقيقية للمكتبة النقدية العربية، لكونها تتيح لنا أن نفهم كيف يشتغل الكاتب الذي لا يعتمد على نظريات معقدة، لكنه يمتلك قدرة على التقاط لحظات إنسانية صادقة.
ومن بين الأهداف المركزية لهذه المقدمة أيضا توضيح أن بناء هذا المؤلَف جاء على أساس خطة تدريجية تتصاعد من العام إلى الخاص، ومن المفاهيم الواسعة إلى التفاصيل الدقيقة. فالقارئ سيجد في البداية أبوابا تركز على بنية الزمن والسرد والذاكرة، ثم ينتقل بعدها إلى أبواب تتناول الهوية والمجتمع، ويصل في النهاية إلى أبواب تعنى بميتاسرد الروايات والسيرة الذاتية والعتبات النصية والموت بوصفه أفقا دلاليا. وهذا البناء كتقسيم تنظيمي، هو خيار منهجي يهدف إلى تمكين القارئ من إدراك المجال الواسع الذي تتحرك فيه النصوص، قبل الدخول في المستوى التحليلي.
كما أن هذه المقدمة تمهد للقارئ أيضا فكرة مهمة تتعلق بأن الهدف من الدراسة ليس الدفاع عن النصوص ولا تبريرها، بقدر ما تروم تقديم قراءة منهجية تتعامل معها كمادة معرفية تحتاج إلى تفسير. وهذا يعني أن الباحث يتعامل مع النصوص باحترام، وليس بانبهار، ويقف منها موقفا علميا لا يميل إلى المجاملة ولا إلى الإدانة. فالمهمة هنا ليست تلميع صورة الكاتب ولا تقويضه، وإنما أبعد من ذلك وبكل أمانة كشف العناصر التي تسهم في بناء عوالمه الروائية، وفهم طبيعة الرؤية التي تحرك هذه العوالم.
والقارئ، إذ يدخل إلى الدراسة بعد هذه المقدمة، يكون قد امتلك تصورا واضحا عن طبيعة المؤلف، وعن أسباب اختيار هذا الموضوع، وعن المنهج الذي يحكم فصوله، وعن الخلفية الفكرية للكاتب الذي ندرس أعماله. وهذا ما يجعل من المقدمة خطوة أساسية في فهم المؤلف. فالكتاب كله قائم على فكرة أن الأدب – وبخاصة الأدب الذي يشتبك مع أسئلة الإنسان الأساسية – يستحق أن يدرس بعمق، وأن يفهم باعتباره مشروعا كاملا، لا كمجرد نصوص متفرقة.
هذه المقدمة تأتي لتضع أمام القارئ صورة شاملة عن طبيعة الكتاب، ويهيئه للانطلاق في صفحات تأتي محملة بتحليل وتعليل واستنباط. وبذلك يكون هذا العمل قد رسم حدوده من البداية: إنه كتاب في النقد الأدبي الرفيع، يعالج نصوصا ذات طبيعة خاصة، وينطلق من رؤية أكاديمية منهجية، ويقدم مقاربة موسعة لمتن سردي يشتبك مع أسئلة الإنسان والذاكرة والوجود والمجتمع، دون أن يقع في فخ التسرع أو التبسيط.
وختاما نقدم خطوة تنظيمية أخيرة قبل الانطلاق في صلب الدراسة. هدفها الأساسي ثلاثة أشياء متكاملة: تأكيد المأسسة المنهجية للعمل، تحديد المنهجيات الفرعية والإجرائية التي ستطبّق داخل الفصول، ووضع القارئ في إطار معرفي واضح عن صاحب المشروع السردي الذي تدرسه هذه الصفحات. نعرض فيما يلي هذه العناصر بصيغة منظمة وواضحة، مع بعض الإشارات الوثائقية عن الكاتب لا لأجل النقاش النقدي، ولكن بغية تأطير السياق الذي ولد فيه الكوربس ولفهم سبب توجنا نحو هذا الطرح.
أولا: تأكيد المأسسة المنهجية:
لقد اخترنا في هذه الدراسة مقاربةٌ مركبة تجمع بين ثلاثة آفاق منهجية تراعي طبيعة النصوص وطبيعة الأسئلة التي تثيرها. وهذه المقاربة لا تقحم منهجا على نص، إنما تستدعى منهجيا بما ينسجم مع ما تكشفه القراءة التمهيدية: الأنطولوجيا (الاهتمام بالوجود والذاكرة والزمن)، والسيميائية الباراتكستية (الاهتمام بالعتبات والعناوين والإهداءات كحاملة لمدلولات متقدمة)، والنقد الثقافي (المعالجة التي تضع النص في علاقته ببناء المجتمع والقيم والمؤسسات). لقد جاء الجمع بين هذه المكونات لسبب منهجي واضح: كل رواية من روايات الكوربس تقدم، عند القراءة الأولية، طبقات من الدلالة تقع على مستويات مختلفة (وجودي/بارتكستي/اجتماعي)، ومعالجة أي مستوى بمعزل عن الآخرين تفضي إلى قراءة ناقصة. لذا تستدعي طبيعة المادة منهجا مركبا مرنا يستطيع أن ينتقل بين مستويات الدلالة دون تشظ منهجي.
ثانيا: البنى الإجرائية داخل الفصول:
لكل فصل من فصول هذا العمل تصميم إجرائي واضح يضمن تتابعا منطقيا بين العرض والوصف والتبرير المنهجي (ليس التحليل). باختصار، ستتبع كل وحدة بحثية آلية ثلاثية الخطوات: تقديم مختصر يصف البناء النصي المعني (دون تحليل)، عرض قائمة العلامات والعتبات والسمات الشكلية التي ستعالج لاحقا (كمؤشرات بحثية مصنفة)، وبيان الأدوات المنهجية المعتمدة لكل محور (مثلا: لماذا نلجأ إلى السيميائية لقراءة العناوين، ولماذا نستخدم الأنطولوجيا لقراءة الذاكرة). هذا الترتيب الإجرائي يحقق هدفين متلازمين: دقة في العمل وعدم عبث منهجي، فضلا عن شفافية تجاه القارئ – إذ يعلم منذ البداية الأدوات التي ستستخدم ولماذا-.
ثالثا: حدود الدراسة وما يستبعد منها:
لكل مشروع علمي حدود ضرورية حتى تكون قراءته قابلة للتطبيق والإنجاز. هذه الدراسة تضع لنفسها حدين أساسيين: حدود نصية وحدود زمنية. على مستوى النص، الدراسة تقيد نفسها بالروايات السبعة المعلن عنها في مقدمة الكوربس (لا تشمل مقالات، أو موادا صحفية، أو نصوصا أخرى لطايل خارج هذا الكوربس) – ذلك حتى نحافظ على وحدة المادة-. وعلى المستوى الزمني، تركز الدراسة على تحقيق قراءة عميقة لهذه المجموعة، وليس على مقاربة تاريخية واسعة لتطور مسيرته بأكملها. وهذه الحدود تقدم في حد ذاتها لا لتقييد الرؤية، وإنما لضمان إنجاز قراءة مركزة ومثمرة.
رابعا: بيانات موثقة عن الكاتب (للسياق فقط):
من أجل توطين القارئ داخل بيئة الكاتب وتجربته، نورد هنا موجزا وثائقيا عن أحمد طايل: ولد في طنطا عام 1956، اشتغل لأكثر من أربعين سنة في القطاع المصرفي، وكتب في صحف ومجلات ثقافية إقليمية (شغل مراسلا ثقافيا لصحيفة “أخبار الأدب” وشارك في الصفحات الثقافية لصحيفة “الرأي للشعب”)، وله مؤلفات عدة بينها روايات ومراجع سيرية وحوارات مع روائيين ونصوص ثقافية. هذه الخلفية المهنية والاجتماعية تقدم، كما أشرنا سابقا، سببا واضحا لخصوصية رؤيته السردية: مزيج من الحميمية الريفية والانشغال بالمؤسسات الحديثة. (حوار مع الكاتب ونبذة منشورة لدى “كتابات”)
خامسا: لماذا هذه الروايات بالذات؟ مبررات الاختيار:
السبب البديهي لاختيار هذا الكوربس يعود إلى تكرار التيمات ومثابرة الموضوعات عبر النصوص المتعددة؛ أي أن هناك وحدة دلالية ورؤيوية تستحق أن تقرأ كوحدة واحدة. لكن هناك سببا آخر عمليا وأكاديميا: غياب دراسات موسعة وممنهجة حول مشروع طايل يجعل من هذه الدراسة مساهمة تأسيسية. الدراسة بهذا المعنى محاولة لتأطير عمل روائي داخل نظرية نقدية قابلة للتطبيق ومفتوحة على مزيد من البحث، سواء من حيث المنهج أو من حيث التطبيق المقارن.
سادسا: العلاقة بين الباحث والنص: موقف علمي واضح
في سعينا لكتابة هذا المؤلف، اتخذنا (كباحثين) موقفا علميا متوازنا: لا تعاطفا مفرطا يمنع النقد الموضوعي، ولا موقفا تشنجيا يهدف إلى هدم النص. إنما كان موقفنا تساؤليا يسعى إلى كشف آليات العمل الدلالي داخل النصوص وعلاقتهما بمحيطهما. هذا الموقف يتمثل في الالتزام بالمنهج، والشفافية في تفسير الأدوات، واحترام حدود الدليل النصي. إن هذه المواضعة لا تقلل من قيمة النص أو من قدرات كاتبه؛ على العكس هي تؤكد أن القراءة العلمية تنمي الفهم ولا تصادره.
سابعا: المخرجات المتوقعة وأثرها العلمي:
يتوقع من هذا العمل أن يُنتج ما يلي: قراءة منظمة وموثقة لمجموع الكوربس تسهم في وضع طايل داخل الخارطة النقدية المحلية، بنية منهجية قابلة لنقلها لتطبيقات نقدية أخرى على نصوص روائية مشابهة، وفهما أعمق لعلاقة الذاكرة بالهوية والرواية بالمجتمع في سياق أدبي محدد. هذا ما يجعل العمل ذا قيمة للنقد الأدبي، وللدراسات الثقافية، ولمن يشتغلون في سيميائية الأدب.
ثامنا: الخاتمة التمهيدية قبل الفصول:
وأمام هذه الإحالة النهائية، يأتي ترتيب الفصول والأبواب كما عرضناه سابقا: الباب الأول مخصص لبنية الزمن والذاكرة، الباب الثاني مخصص للهوية والنقد الاجتماعي، والباب الثالث مخصص للميتاسرد والختام الفلسفي. هذه البنية غير روتينية في حد ذاتها، إنها نتيجة لقراءة أولية دقيقة للنصوص وتوافقها مع الاختيارات المنهجية التي أشرنا إليها. ومع إغلاق هذا الباب التمهيدي، ندعو القارئ لأن يتعامل مع ما سيأتي من فصول على أنه رحلة معرفية منهجية: من تأطير الزمن والوجود، مرورا بتجليات القيمة في الشخصية والمجتمع، وصولا إلى النهاية التي تتناول علامات العتبات والنهايات.
نقطة الختام هنا بسيطة وشفافة: هذه الدراسة تقدم قراءة مبنية على أدوات واضحة، وحدود محددة، وقصد بحثي معلن. ولم نأت لنؤدي عملا مرئيا سريعا، أتينا لإنتاج مادة نقدية تضاف إلى رصيد الدراسة العربية في السرد والمفاهيم الثقافية. إن القارئ الذي يبدأ الآن في قراءة الفصول أمامه سيجد تحليلا تتعدد مستوياته؛ وما عليه إلا الالتزام بالقواعد التي وضعناها في هذه المقدمة حتى نضمن سوية البحث ونقائه.