إن من ابتلي بقراءة المجلات والصحف إلى حد الهوس ليجد نفسه منساقا لإشباع رغبة جامحة في الإبداع والمعرفة..؛ وقد يزج به حسن النية في أتون بعض الاستطلاعات تطبعها الانتقائية والذاتية لتعلن عن إخفاقات في صناعـة القراءة وعن ارتدادات في الذاكرة. فلا يجد بدا منها إلا أن يتحول عنها إلى المواقع الأخرى باحثا عن اختيارات أكثر جدية وموضوعية..؛ هذا ما قيض لنا في السنوات الأخيرة، إذ وقفنا على آراء استطلاعيـة متعددة في المجال الإبداعي والفكري أقل ما يقال عنها إجحافية وإقصائيـة في حق بعض المثقفين الجادين والمبدعين والمفكرين السامقين.
وقد ألفنا مع طلعات كل سنة جديدة مصادفة أسئلة جميلة تتعلق بأجود المبدعين والمثقفين وأسمن الكتب المقروءة وأهم الأحداث الثقافيـة..، إلا أن بعض الآراء المستطلعة عمدت إلى بتر الحضور الوازن لثلة من المبدعين والمفكرين، حيث تم القفز على لحظات الصفر الرقمية بين نهايات السنوات القديمة وبدايات السنوات الجديدة. فجاءت أغلبية الأجوبة متكررة وفارغة من شروط الحياد والنزاهة والواقعية، كما سعت تلك الآراء إلى تزكيـة الجعجعات ضدا على اجتهادات أهل الإبداع والتنوير، في ظل الواقع العربي المأزوم والمرهون بمصادرة حق الاختلاف أحيانا والحجر عليه أحيانا أخرى..؛ وهكذا خرج أولئك وهؤلاء خروجا عاسفا عن زمن الإبداع والتجديد والاعتراف كأن كل شيء بلغ التمام لتشع المقامرة في الإشهـاد والشهـادة.
وبصفة عامة ، تشي الآراء المقتبسة بالعجز عن الترشيد والصواب وبتكاثر الأسباب من أجل مذمات الاستخفاف بشروط الإبداع وممارسة العبث وطمس الهويات في الاستطلاعات التي هي بمثابة جوائز رمزية مرصودة للجدارة والاستحقاق لا غير. ومن هذا المنظور، لا يجوز تبخيس أعمال وإنتاج أي أحد. لكن ميدان الإبداع والثقافة يبقى مجالا للتنافس الشريف بامتياز بعد العبادات والمعاملات.
أما نازلتنا في التوضيح على سبيل المثال جعلتنا نحتفظ هاهنا بجواب على سؤال من أحد المنابر ورد كالتالي: “ما هو الحدث الثقافي الذي كان ينبغي أن يقع ولم يحدث؟” وكان جواب أحد المستفتين: “ولادة مبدعين ومفكرين قادرين على مضاهاة الآخر”..، فأتى قولنا الحالي ليتحفظ عليه من حيث إن السؤال حمل إيحاء معلوما، وأفرز الجواب تعريضا مفهوما. فالحسم في السؤال والجواب معا يؤكد للتوثيق التاريخي بأن تربتنا العربية الإسلامية المعطاءة شهدت بلا جدال ولادة رجال منهم من رحمه الله ومنهم من يعيش بين ظهرانينا، توحد بهم التجديد والاجتهاد وتحقق عندهم الحلول بالإبداع، إلا أنه تم تغييب حضورهم من الآراء الاستطلاعية ومن أذهان المتتبعين للدينامية الثقافية والفكرية. فلا يستساغ إطلاقا أن يجهل أو يتجاهل كل مثقف مسؤول هذا الجواب الغرة في مساق الشأن الثقافي العربي والإسلامي بكامله. لكن، وجدنا هذا الإقصاء مشرفا لمبدعي الانتهاضة من الأدباء والمثقفين والمفكرين نظرا للتزلف الذي استحكم بآراء استطلاعية متقادمة الهندسة والتأثير .
وتفاديا لما سبق التنبيه إليه، وجب أن تكون الاستطلاعات خاضعة للتحليل العلمي والمعيار الموضوعي كما هي عند الآخر…؛ أما إذا تم استطلاعنا بدورنا فنجيب بأننا اخترنا للسنوات المقبلة إن شاء الله كل المبدعين والمثقفين الصادقين في مشارق الأرض ومغاربها، فسلام عليهم أجمعين يوم يولدون ويوم يموتون ويوم يبعثون، وإنا لننصرهم دوما بظهر الغيب ناظرين إلى استطلاعـات أخرى أكثر إنصافيـة وأقوى يقينية في السنة الجديدة، فإلى ذلك الحين إن شاء الله، وإن لم يكن كذلك، فالصبر إبداع رباني ويقين أكبر.