الرئيسية / قراءات / الروم في سيفيات المتنبي- دراسة أسلوبية دلالية بقلم: جورج أنطون أبو الدنين

الروم في سيفيات المتنبي- دراسة أسلوبية دلالية بقلم: جورج أنطون أبو الدنين

تركز هذه الدراسة على صورة الروم في سيفيات المتنبي، وذلك بدراسة الروم في قصائد المتنبي دراسة أسلوبية، من خلال التركيز على الصورة الشعرية، والأساليب التي ساهمت في بناء الصورة وتكوينها، ويعتمد هذا الفصل على دراسة استقصائية وإحصائية لجميع قصائد السيفيات التي قالت المتنبي في الروم، والبحث في هذه القصائد عن الصورة وعناصرها، والنواحي الفنية الداعمة لها، والجدير بالذكر أنّ العناوين الفرعية من (أولا) وحتى (ثالثا) مستوحاة من كتاب بعنوان “الآخر في الشعر العربي”، ولم تتعدّ الاستفادة من هذا الكتاب سوى تقسيم العناوين.
وجاءت دراسة صورة الروم في سيفيات المتنبي على النحو الآتي:
أولا: ملوك الروم
زخرت سيفيات المتنبي بوصف قادة الروم وأمرائهم قبل المعركة، وأثناء المعركة، وبعدها؛ واصفاً كلّ ما يعتريهم من انفعالات وتصرّفات وصفاً أدبياً بحتاً، معتمداً على جملة من الأساليب اللغوية والفنية التي تضافرت معاً لتشكّل صورة الروم الكليّة في سيفياته، وهي بين سيفية وأخرى متقاربة لا تختلف إلا في تفاصيل الزمان والمكان وسبب الحرب.
وإنّ أول ما يظهر جلياً في حديثه عن ملوك الروم وأمراؤهم وقادتهم أسلوب الموازنة والمقابلة (التضاد)، إذ إنّه جعل منهم عنصراً موازياً للممدوح في أغلب سيفياته، واستعان بهم لتحقيق قيمة معنوية، وأخرى فنيّة؛ فتكمن القيمة المعنوية في إبراز تميّز سيف الدولة على أعدائه، وتفوقه في الفروسية بكل ما تحمله من الصفات (الشجاعة، الإقدام، المهارة في القتال، البطش بالأعداء)، وإنسانيّته في حين آخر حين يصف رفقه بالأسرى، أما القيمة الفنيّة فهي إظهار مشاهد من الحالة النفسية للأعداء في مواجهة المسلمين، واستخدام هذه المشاهد في بناء الصورة الفنية في القصيدة مدعّمة بأساليب فنيّة دقيقة الاستعمال.
ولقد وضع المتنبي أمام أعين المتلقي صورتين متضادتين؛ الأولى لسيف الدولة، ذلك البطل المثالي في شجاعته في إقدامه وذكائه، وهدوئه، وجبروته، وإيمانه، وإخلاصه، ووفائه، وإيقاع الهزائم بالخصوم، والثانية لملك الروم (الدمستق)، وهو المعاكس تماماً لوصف سيف الدولة، ويُطلّ المتنبي بهذه الموازنة في إحدى سيفياته قائلا:
وفي صورة الروميّ ذي التاجِ ذِلّةٌ لأبلجَ لا تيجانَ إلا عمائمُهْ
في هذا البيت صورة كاملة العناصر، فيها يجعل المتنبي ملك الروم بتاجه اللامع يسجد ذليلاً أمام سيف الدولة مشرق الجبهة، فجعل تاج ملك الروم موازياً لتوهّج جبهة سيف الدولة، وجمع بين نوافر الأضداد وحركة السجود حين جعل ملك الروم يخرّ ساجداً في مفارقة تصويريّة تستحق الوقوف أمامها في اقتران التاج بالذل، وتفضيل العمائم عليه، فبرغم هذا التاج على رأس ملك الروم إلا إنه ساجد ذليل أمام سيف الدولة الذي لا يضع على رأسه سوى العمائم، وفي ذلك إيحاء بأنّ العزّ لا يكون بما يلبسه الإنسان على رأسه بل بما هو فيه من الصفات.
ويحقّر المتنبي من شأن ملك الروم؛ فهو جبان يهرب من العدو تاركاً الجيش من خلفه، فكلّ القتلى والأسرى أعزّ منه وأمضى عزيمة، وإنْ نجا من القتل فإنّ خوفه يقتله، ويجعله فاسدَ العقلِ مصفرّ الوجه، وذلك في قوله:
أَجَلُّ من ولَد الفُقّاس مُنكتفٌ إذ فاتهنّ وأمضى منهُ منصرعُ
وما نجا من شفارِ البيضِ منلفتٌ نجا ومنهنّ في أحشائهِ فزعُ
يباشرُ الأمنَ دهراً وهو مختَبَلٌ ويشربُ الخمرَ حَولا وهو ممتقعُ
وفي هذه الأبيات كناية عن ملك الروم بـ (ولد الفقّاس) نسبة إلى جدّه، ويصوّر لنا الشاعر خوف الملك على مراحل متعاقبة مستعيناً بعنصري الحركة واللون؛ فالحركة في هرب ملك الروم سريعاً، واللون الأبيض للسيوف، واصفرار الوجه للدلالة على شدة الخوف، وقد جاء كل من الحركة واللون للتعبير عن المعنى نفسه، وهو شدة الخوف والرعب.
وكذلك نسج المتنبي صورة خوف الملك في ثلاث صور جزئية شكّلت مشهد الخوف الكامل؛ فالصورة الأولى في هربه عن القتلى من الجيش، والثانية في انفلاته من حدّ السيف والهرب بعيداً، والثالثة في جلوسه يعاقرُ الخمرَ حولاً كاملاً حتى يزول اصفرار وجهه، وفي هذه الصورة مفارقة سياقية، فالذي يشرب الخمر يتحوّل لون وجهه إلى الحُمرة إذ يسري الدمُ في عروقه، وقد جعل الخمر في جسد ملك الروم بلا نفع، فخرجت عن صفاتها الأصلية المعروفة عنها.
وتكمُل صورة الدمستق الخائف الهارب حيث يهرب من الحرب تاركاً ابنَهُ قسطنطين خلفه، وبأسلوب ينمّ عن الملكة الشعرية القوية لدى المتنبي، يوبّخ المتنبي ملك الروم ويسخر منه على ما فعله بابنه، ثمّ يعطيه عذراً لما فعله، وما هذا العذر محبة للدمستق بل منفذ يرسم خلاله ضعف الروم وهزيمتهم النكراء أمام جيش الحمداني:
على قلب قسطنطين منه تعجبٌ وإن كان في ساقيه منه كبولُ
لعلك يوماً يا دمستـــــق عـــــــائـدٌ فكـــــــــــم هاربٍ مما إليه يؤولُ
نجوت بإحدى مهجتيك جريحـة وخلفــت إحدى مهجتيك تسيلُ
أتسلم للخطية ابنك هـــــــــــــــاربا ويسكن فـــي الدنيا إليك خليلُ
بوجهك ما أنساكه من مرشـــةٍ نصيـــــــــــــرك منها رنةٌ وعويلُ
تبرز في الأبيات السابقة ثلاث صورٍ يرسمها المتنبي ليدعمَ بها صفة الخوف والجبن عند الدمستق، وليؤكد على ما أصاب الروم من شرّ الهزيمة وعديد الجرحى والقتلى، ولا يغيب عن تلك الصور إبراز شخص البطل الممدوح في صفاته المثالية؛ ففي الصورة الأولى ينتج المتنبي مفارقة فجائية حين يتعجب قسطنطين ابن الدمستق من شجاعة سيف الدولة متناسياً القيود في ساقيه، فقد شغلته عظمة الممدوح عن الشعور بالأسر، ويوظف الشاعر الحركة في الصورة الثانية؛ فالدمستق المصاب يهربٌ تاركاً ابنه خلفه في حال يرثى لها، ويوظف اللون والصوت في الصورة الثالثة ليرسمَ بها حال الدمستق حين تخلى عن ابنه ملتمساً العذرَ له لا دفاعاً عنه بل إثباتاً للهزيمة النكراء، والحالة المزرية التي مرّ بها على أيدي جيوش سيف الدولة، فالدم على وجه الدمستق وصياحه وعويله دلالة واضحة على حجم الألم الذي لحق به.
كما يلمح المدقّق في الصور الثلاث المذكورة مفارقة دراميّة تحتوي على بُعد نفسي يكمن في التخبّط والاضطراب النفسي في صورة الدمستق حين نسي ابنه من الدم من كثرة الدماء والجروح، وفي إعجاب قسطنطين بشجاعة سيف الدولة، فهذا الذهول من ابن الدمستق يعطي للممدوح بُعداً وصفياً في التعبير عن هذه الشجاعة الهائلة، التي وصلت إلى درجة إعجاب العدوّ به، كما يتنقّل المتنبّي عبر الزمن باستخدام تقنيات السرد حين يوظف الاسترجاع في العودة إلى موقف الدمستق حين ترك ابنه، والانتقال إلى المستقبل في خسارته لثقة مَن هم حوله، وعودته إلى ما هو له ليؤسر أو يُقتل.
ويعيد المتنبي هذه الحادثة في إحدى سيفياته التي نظمها في عيد الأضحى مهنئاً سيف الدولة به، جاعلاً من هذه الحادثة دليلاً على قوّة الحمداني وجبروته، وتذليله الصعاب أمامه، فيضعها في قالب دراميّ مليء بالانفعالات النفسيّة، فيقول:
لذلك سمّى ابن الدمستق يومَــــــه مماتاً وسمّاه الدمستقُ مـــــــــــــــولدا
فولى وأعطاك ابنه و جيوشــــــــــه جميعا ولم يعطِ الجميع ليحمــــــــــدا
فاصبح يجتاب المسوح مخافــــــة وقد كان يجتاب الدلاص الــــمسردا
ويمشي به العكاز في الدير تائبا وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجهه جريحا وخلى جفنه النقع أرمــــــــدا
فلو كان ينجي من علــــــــي ترهب ترهبت الأملاك مثنى و موحـــــــــدا
وفي هذا النسق الدرامي مقابلة شاملة بين مشهدين، الأول مشهد القوة الذي كان عليه الدمستق؛ فلم يكن يرضى بأقل من أفضل الجياد عند العرب، وأضحى على العكاز تائهاً بعد الحرب، وتاب عن الحرب بعد أن جُرح وجهه، وفي هذه الحركيّة المتناقضية بين حيوية وسرعة القوّة وبطء وتثاقل الانقطاع عن الحرب، يدعم المتنبي هذه الموازنة باللون؛ فقد كان الدمستق حاملا للدرع اللامع، وأضحى يلبس ثياباً من الشَّعر÷ وفي هذا النصّ ارتباط كبير بالنّص السابق، وربّما يأتي هذا التعالق لسببين؛ الأول أنّ صورة هذه المعركة كانت لا تزال في مخيلة المتنبي وذاكرته حين نظم القصيدة الثانية، فأعاد صياغة المشهد بكلمات أخرى قريبة. والسبب الثاني تكرار التفاصيل في أغلب المعارك ضمن الإطار نفسه، فأضحت ملامح صورة الخوف متشابهة برغم اختلافها في وجوه قليلة.
ويسير كذلك في النسق الدراميّ ضمن مفارقة السياق في إبراز هذا الاضطراب النفسي الناجم عن الخوف عند الدمستق في قصائد أخرى من سيفياته، فها هو الدمستق من شدة الخوف يهرب من المعركة تاركاً خلفه العذارى والقتلى والجرحى والقادة والجنود، يسعى إلى النجاة بنفسه، ويتحسّس جسده غير مصدق أنّه على قيد الحياة بعد أن اشتدّ الطعن بالرماح وبالسهام:
سراياك تترى و الدمستق هــــــــــاربٌ وأصحابه قتلى وأمواله نُهبــــــــــــــــى
أتى مرعشاً يستقرب البعد مقبـــلا وأدبر إذ اقبلت يستبعد القربـــــــــــــــا
كذا يترك الأعداء من يكره القنـــا ويقفل من كانت غنيمته رعــــــــــــــبا
وهل رد عنه باللقان وقوفــــــــــــــــــــه صدور العوالي والمطهـــــــــــمة القبا
مضى بعد ما التف الرماحان ساعةً كما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا
ولكنه ولـــــــــــى و للطعن ســـــــــــورةٌ إذا ذكرتها نفسه لمـــــــــــس الجنبا
و خلى العــــــذارى والبطاريق والقرى وشعث النصارى والقرابين والصلبا
يجد القارئ نفسه أمام مشهد سينمائي تلعب الدراما بالتآزر مع البُعد النفسي دوراً كبيراً في تشكيله، فالدقة المتناهية من المتنبي في وصف حركات، وحركة جسد الدمستق وانفعالاته، وصلت إلى حدّ كبيرٍ من الإتقان حتى أصبح المتلقي قادراً على تخيّل الصورة، فهي مفعمة بالحيوية والحركة والحياة، فالجيش يتتابع في حركية سريعة، وعمليات القتل والنهب تتوالى مع هذا التتابع السريع المندفع بقوّة، وتظهر شدة خوف ملك الروم في ملحمية التضاد التي أنشأها المتنبي في قوله:
أتى مرعشاً يستقرب البعد مقبـــلا وأدبر إذ اقبلت يستبعد القربـــــــــــــــا
فيقيم علاقاتٍ متداخلة مبنية على المفارقة الفجائية وتزاحم الجناس ونوافر الأضداد، فيتضافر كلّ لفظين متضادين في تكوين الجوّ النفسي للدمستق، فقد (أتى مقبلاً) يستقرب البعيد نشيطاً يريد النصر، وما إن رأى سيف الدولة مقبلاً حتى (ولّى مدبراً) يستبعد القريب يريد النجاة، وفي هذا التحوّل النفسي المفاجئ يحملنا على أجنحةٍ دراميّة نحو تخيّل الخوف بل الرعب الهائل الذي شعر به الدمستق لمجرد رؤية سيف الدولة وجيشه.
ولم يقف المشهد الدرامي عند هذا البيت، فيلجأ الشاعر إلى المفارقة التصويريّة حين جسّد الرعبَ غنيمةً لملك الروم، وجعل الرماح كالأهداب العليا والسفلى عند النوم، وقد مزج معها المفارقة اللفظية لتتمّ هذه الصورة، فثنّى الجمع، فقال “الرماحان” بدل “الرماح”، وقصد بها رماح كل طرف وحده؛ فرماح الروم ورماح المسلمين كل منها يشكّل هدباً من الأهداب.
ولقد وظف المتنبي المفارقة الشعرية في وصفه للدمستق بشكل متكرر، واعتمد على الجناس ونوافر الأضداد والمقابلة والموازنة بينه وبين الممدوح في بناء الصورة مغلّفة بالحالة النفسية لملك الروم، وكثرت الأمثلة على ذلك، ولكن لا بدّ من النظر في هذه الأبيات التي تقول:
أَفِــي كُـلِّ يـومٍ ذا الدُّمسـتُق مُقــــــــــــــــــدِمٌ  قَفــاهُ عــلى الإِقـدامِ لِلوَجـهِ لائِــــمُ
وقد فجعته بابنه وابن صهـــــــــــــــــــــــــــره وبالصّهر حملات الأمير الغواشمُ
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظّبا لما شغلتها هامهم والمعــــــــــاصمُ
ويفهم صوت المشرفيّة فيهــــــــــــــــــــــــــم على أنّ أصوات السّيوف أعاجمُ
يسرّ بما أعطاك لا من جهالـــــــــــــــــــــةٍ ولكنّ مغنوماً نجا منــــــــــك غانمُ

يعبّر المتنبي في البيت الأول بصورة فريدة عن هرب الدمستق وخوفه من سيف الدولة، فقفاه يتلقّى الضرب بدل وجهه، فيلومه لأنّه هاجم سيف الدولة، ويضعنا الشاعر هنا أمام الحالة النفسية لملك الروم حين نجا، فهو سعيد يشكر القتلى الذين انشغلت السيوف بهم، فتكون نجاته غنيمة له، وهنا يكرر المتنبي تجسيد الغنائهم المعنوية، ففي صورة سابقة جعل الرعب مغنماً، وهنا يكمل الصورة بأن يجعل النجاة مغنماً، فالأوّل مغنم الجريح والقتيل، والثاني مغمن الناجي.
لم تخلُ سيفيات المتنبي في حديثه عن ملوك الروم من أساليب أخرى ساهمت في تمكين الصورة، وإضفاء الأبعاد المعنوية عليها، ومن ذلك أسلوب الشرط الجازم وغير الجازم، وقد استعمل هذا الأسلوب لإظهار تبدّل الحال أو التضاد والتناقض بين شيئين، وظهر ذلك جليّا في مفارقاته الفجائية والتصويرية:
أتى مرعشاً يستقرب البعد مقبـــلا وأدبر إذ اقبلت يستبعد القربـــــــــــــــا
ولكنه ولـــــــــــى و للطعن ســـــــــــورةٌ إذا ذكرتها نفسه لمـــــــــــس الجنبا
وقوله:
على قلب قسطنطين منه تعجبٌ وإن كان في ساقيه منه كبولُ
ويرسم المتنبي صورة فريدة وطريقة أخرى لملوك الروم مبنية في كلّ بيت منها على الشرط، حين يصف بناء سيف الدولة لقلعة تمنى الدمستق لو هدمها، فجعلها الشاعر مثل بناء بين أذنيه، كلّما أراد هدمها اتّسعت وصارت أمتن بناءً ووصل مؤخر رأسه:
لا ألوم ابن لاونٍ ملك الرو م وإن كان ما تمنى محالا
أقلقته بنية بين أذنـــــــــــيـ ـه وبانٍ بغي السماء فنالا
كلما رام حطها اتسع البنـ ــى فغطى جبينه والقذالا
فنجد الشرط في كلّ بيت من الأبيات موظفاً إيّاه في إظهار التناقض بين ما يريده ملك الروم، وما يحدث فعلاً.
كما لجأ الشاعر إلى أسلوب النفي، سواء نفي الفعل الماضي والمضارع، أو نفي الاسم، ونفي الحرف، ومنه ما جاء لتوضيح أفعال الدمستق، كقوله:
يسرّ بما أعطاك لا من جهالـــــــــــــــــــــةٍ ولكنّ مغنوماً نجا منــــــــــك غانمُ
وقوله:
فولى وأعطاك ابنه و جيوشــــــــــه جميعا ولم يعط الجميع ليحمــــــــــدا
ومنها ما هو لبناء صورة المقابلة بين الماضي والحاضر، بين ما كان عليه الدمستق وما آلت حاله إليه:
ويمشي به العكاز في الدير تائبا وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجهه جريحا وخلى جفنه النقع أرمــــــــدا
ووظف النفي في موضع واحد لإظهار التباين بين ذل ملك الروم وعظمة سيف الدولة:
وفي صورة الروميّ ذي التاجِ ذِلّةٌ لأبلجَ لا تيجانَ إلا عمائمُهْ
لقد بدا واضحاً خلال الشواهد التي وردت في متن البحث، وفيما هو في سيفيات المتنبي أنّ الشاعر لم يوجّه خطابه مباشراً إلى ملوك الروم إلا نادراً، فكان أغلب خطابه عنهم بضمير الغائب، إلا في توبيخه على تركه ابنه في ساحة المعركة، وحين أراد أن يوصل رسالة له استهل بيته بفعل الأمر “قل”، وهذا دليل على استحقاره لملك الروم، وترفعه عن الحوار معه:
قُل للدمستقِ إنّ المسلمين لكُم خانوا الأميرَ فجازاهم بما صنعوا
يلاحظ في خطاب المتنبي إلى ملوك الروم أنّه لم يستخدم ضمير الأنا، أو الخطاب المتكلم للجمع، إلا في حالة واحدة في سيفياته، حين قال:
رضينا والدمستق غــــــــير راضٍ بما حكمَ القواضبُ والوشيجُ
فإنْ يُقدِم فقد زُرنا سمــــــــــــــندو وإن يُحجِم فموعدُنا الخليجُ
وقد يعود ذلك إلى ما ورد في بداية هذا الفصل بأنّ المتنبي جعل الممدوح أمام ملوك الروم في موازنة ينتصر فيها لممدوحه المثالي البطل، وإقحام نفسه في هذا الموضع يجعله في مأزق أمام سيف الدولة.
ثانيا: جيش الروم والمعركة
جاءت صورة جيش الروم في سيفيات المتنبي في مراحل ثلاث وهي؛ قبل المعركة، وفي المعركة، وبعدها، وهذه المراحل الثلاث نتاج طبيعي للحرب التقليدية، وشملت القادة والجند والأسلحة والخيول ووصف الجوّ العام للمعركة، ووصف القتلى والجرحى والجنود الهاربين، وجاءت صورة جيوش الروم فيها مرتبطة بالصورة التي رسمها الشاعر لملوكهم، وبرز ذلك واضحاً عند تتبّع وصفه لجيش المسلمين، فأسقط المتنبي الصفات النفسيّة والمعنوية للقائد على جيشه، مؤكداً إدراكه لعمق الأثر الذي يتركه القائد الأعلى في نفوس جنوده.
لم يترك المتنبي شاردة أو واردة في المعارك مع الروم إلا وتطرق إليها، فوصف كلّ ما في المعركة منذ التحضير لها حتى نهايتها؛ ففيها وصف لشدة الطعن، وقوة الالتحام، وبأس الجنود، وتصوير للقتلى والجرحى يسقطون من العدو في كلّ مكان، ودماؤهم تملأ السيوف والرماح والسهام، وتسيل على الأرض في كلّ صوب، ويهرب الناجون منهم مشتتين في الجبال والشعاب المختلفة، فيلحق بهم جيش المسلمين ليبيد منهم من يقع تحت سيوفهم، وغيرها من الملامح التي تتكون عناصرها من ألوان وأصوات وحركة ادوات الحرب والجند والدماء، وهي تفاصيل وردت في معظم شعر الصراع مع الروم من قبل المتنبي ومن بعده، ولكن لم يقف المتنبي عند هذا الحدّ، فقد أبدع في إنتاج مجموعة من الصور والمشاهد التي صوّر من خلالها جيش الروم قبل المعركة وأثناءها وبعد انتهائها، وهي الصور التي سيقف البحث عندها من أجل التعمق في دراستها.
يلعب المتنبي في وصف المعارك والجيوش دورَ شاهد العيان الذي يحكي ما جرى أمامه، أو دورَ القاصّ الذي يحبك قصّته مكتملة العناصر ليقدمها إلى السامعين ناضجة وفيها من عناصر التشويق والإيحاء ما يكفي لجذب الأنظار والاهتمام بها، فقد غلبت على وصف المعارك سمة القصّة القصيرة، حيث حضرت النزعة الدرامية بجميع عناصرها واضحة، ووظفها المتنبي بطريقة تجعل الترابط بينها سلساً والتفاعل معها سهلاً، خاصة بعد أن حمّلها بمزيج من الصور الشعرية المبدعة التي يمكن اعتبارها فريدة في وصف العدوّ في زمانه إذا صح التعبير.
ففي إحدى حروب سيف الدولة الحمداني، اتجه إلى خرشنة غازياً، فيصل إلى ديار الروم، وهنا يبدأ المتنبي بنشر الجوّ النفسي المضطرب للروم، فقائدهم ينخدع بمظهر الجيش ويظنه قليلاً فيكتشف أنه غيم أسود اللون يسبح في السماء، فتدخل هذه الجيوش بخيولها في جند الروم مسرعة قبل وصول السهام إليهم، كأنّها تخترقها وتخرج منها، وقد باتت ساحة المعركة مظلمة، أضاءتها الرماح كأنها الشموع، ومن شدّة الطعن ما إن يستغيث جنديّ برفيقه حتّى يفرق بينهما رمح أسود.
بالنظر في هذا المشهد الذي رسمه لدخول جيوش المسلمين إلى ديار الروم نجد أنّ الشاعر قد رسم لنا لوحة متكاملة العناصر من حركة الخيول والرماح، ولون النار والجنود والرماح السمر، وصوت الجنود الروم حين يستغيثون، والبُعد النفسي العميق لهم منذ أن يظنوا الجيشَ صغيراً وهو غمام؛ فينسج تلك العناصر مع بعضها ليخرج بالمشهد الحربي:
ذَمَّ الدُمُستُقُ عَينَيهِ وَقَد طَلَعَت سودُ الغَمامِ فَظَنّوا أَنَّها قَـــــــــــزَعُ
تَذْرِي اللُقانُ غُبارًا في مَناخِرِهـــــــا وَفي حَناجِرِها مِن آلِسٍ جُـــــــــرَعُ
كَأَنَّها تَتَلـــــــَقّاهُمْ لِتَـــــــــسلُكَهُـــــــــــــمْ فَالطَعنُ يَفتَحُ في الأَجوافِ ما تَسَعُ
تَهدي نَواظِرَها وَالحَربُ مُظلِمَــــــــةٌ مِنَ الأَسِنَّةِ نارٌ وَ القَنا شَمَــــــــــــعُ
دونَ السِهامِ وَدونَ القُرِّ طافِحَةً عَلى نُفوسِهِمِ المُقوَرَّةُ المُـــــــــزُعُ
إِذا دَعا العِلجُ عِلجًا حالَ بَينَهُما أظمى تُفارِقُ مِنهُ أُختَها الضِلَــــــعُ
ويُظهر المتنبي جيوش الروم في حالة من الارتياب والهلع، فلا تكون سديدة في نظرتها وحكمها، ولا تدرك ما هو أمامها حقّ الإدراك، وهو بذلك يجعل هيبة سيف الدولة حاضرة في نفوسهم، مؤثرة في سلوكهم، ومن ذلك قوله:
ضُرِبنَ إِلَينا بِالسِيــــــــــــــــــــــاطِ جَهالَةً      فَلَمّا تَعارَفنا ضُرِبـــــــــــــنَ بِها عَنّا
فَقَد بَرَدَت فَــــــــوقَ اللُقانِ دِمـــــاؤُهُم       وَنَحنُ أُناسٌ نُتبِعُ البارِدَ السُخنا
وهنا يهاجم الروم معسكراً لسيف الدولة ظنوه كتيبة، فقتلوهم جميعاً، ويبدو جليّاً في هذه الأبيات – شأنها شأن المثال السابق- أنّ الارتباك والوقوع في الخديعة، وسوء الرؤية لدى الروم مقدّمة لخسارتهم واكتساحهم.
ويستمر تلاعب المتنبي بنفسيّة الروم حين يظهر جهلهم بما سيفعله جيش سيف الدولة، فقد أغار عليهم ثمّ انسحبت الخيول فظنوا أنهم عادوا أدراجهم، ولم يدروا أنّ الخيل عائدة إليهم من مدخل آخر، ويدعم تلك الصورة بالمفارقة الفجائية المصحوبة بنوافر الأضداد في جمعه بين قبح فِعل الخيل وجمال منظرها:
فما شعروا حتى رأوها مُغيرةً قِباحاً وأمّا خلقُها فجميلُ
وعادَت فظنوها بمَزارَ قُفّلاً وليسَ لها إلا الدُّخولُ قُفُولُ
كانت للمتنبي وقفة ذكيّة عند حجم جيوش الروم وعتاد جندهم، فقد وصف شدّة تسلحهم، ولمعان ملابسهم، وقوّة بأسهم كي ينتقل مباشرة إلى النتيجة الحتميّة وأنّ سيف الدولة قد قضى عليهم، وبدّدهم، فكانت الخسارة عظيمة، فما تعظيم شأن الروم إلا مدخل نحو تعظيم فِعال الممدوح بهم، ولا يمكن لتلك الصورة أن تتمّ بعيداً عن التأكيد على خوف جيوش الروم من وجهه:
وهم البحرُ ذو الغواربِ إلا أنّه صارَ عندَ بحركَ آلا
ما مضوا لم يقاتلوكَ ولكــ ـنّ القتالَ الذي كفاكَ القتالا
وهنا يشبه الشاعر جيش الروم بالبحر المائج الذي لا يرحم، لكنه أمام سيف الدولة يضمحل وينتهي، والسبب في ذلك أنّهم تركوه وهربوا، وفي هذا التشبيه صورة مفعمة بالحركة، مستلهمة من ملاحظة دقيقة لحركة الموج، فكما يجتمع الماء مشكلاً الأمواج ثم يتفرق فيضمحل، وقع الأمر نفسه لجيوش فاضمحلّوا بعد أن اجتمعوا.
وتتكرّر مثل هذه الصورة كثيراً في وصف جيوش الروم، فالجيش مجتمع كثير العدد قويّ، ثمّ يتفرّق كلّ في ناحية خوفاً من سيف الدولة:

أتَوْكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كَأنّمَا سَرَوْا إليك بِجِيَادٍ ما لَهُنّ قَوَائِمُ
إذا بَرَقُوا لم تُعْرَفِ البِيضُ منهُمُ ثِيابُهُمُ من مِثْلِها وَالعَمَائِمُ
خميسٌ بشرْقِ الأرْضِ وَالغرْبِ زَحْفُهُ وَفي أُذُنِ الجَوْزَاءِ منهُ زَمَازِمُ
تَجَمّعَ فيهِ كلُّ لِسْنٍ وَأُمّةٍ فَمَا يُفْهِمُ الحُدّاثَ إلاّ الترَاجِمُ
فَلِلّهِ وَقْتٌ ذَوّبَ الغِشَّ نَارُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلاّ صَارِمٌ أوْ ضُبارِمُ
تَقَطّعَ ما لا يَقْطَعُ الدّرْعَ وَالقَنَا وَفَرّ منَ الفُرْسانِ مَنْ لا يُصادِمُ
وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ
تَمُرّ بكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزيمَةً وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُ
يقدّم المتنبي صورة مهيبة لفرسان الروم المتوجهين إلى قتال سيف الدولة، فمن شدّة التسلّح والدروع لا تظهر قوائم الخيول، وخوذاتهم وملا يلبسون يلمع لمعان السيوف البيض، وحركتهم كأنّهم يجرّون الحديد، وبلغ صوته نجمي الجوزاء.
وفي هذه الصورة يرسم المتنبي صورة تسبح في فضاء الزمن، بداية من ظهور جيش الروم أمام أعين الشاعر والممدوح، حتى وصلوا إلى نقطة اللقاء، ولا يكتمل هذا المشهد إلا بعناصر الحركة واللون والصوت على التوالي، ففي ترتيب هذه العناصر يكون المشهداً واقعياً منطقياً سهل التناول، ويكشف خلاله عن عظمة جيش الروم المتوجه إلى ملاقاة جيوش المسلمين. ولكن هذه العظمة التي رسمها المتنبي لخصوم سيف الدولة لم تدم طويلاً، فما هي إلا مرحلة مؤقتة يثبت بها قوّة الممدوح وعظمته فوق قظمة هذا الجيش الذي جمع في طيّاتها أشتات الأمم جميعها.
وبناء على ما سبق تبرز صورة جيش الروم في المعركة في نمطين؛ النمط الأوّل صورة الجيش الخائف المرتعد من رؤية جيوش المسلمين بما فيها من هيبة للممدوح، وللخيل، ولقوة الجنود وبسالتهم، وفيها تسيطر على الصورة عناصر الحركة المقرونة بالهرب، واللون المقرون بالدم، ويغلب على الصورة الشعرية تشبيه الجيوش بشيء يجتمع ثم يتفرّق في حركيّة حيويّة تتّسم في أغلب الأحياة بالمفارقة الفجائيّة أو مفارقة السياق.
ويكمن النمط الثاني في إظهار قوّة الروم، وشدّة بأسهم، وهيبة جنودهم وفرسانهم، والعتاد القويّ الثقيل الذي يتسلحون به، معبّراً عن ذلك بوصف حركة الجنود، وألوان لباسهم، ولمعان أسلحتهم، وصوتهم المرعِد الذي يخيفون به الأعداء، ويأتي هذا الوصف من أجل تعظيم فوز سيف الدولة عليهم، فلم يكن نصره على أعداء عاديين، بل هم أقوياء ويشقون الغمار بقوّة، وهو أقوى منهم يشقّ عليهم فيهزمهم. وهو في كلّ هذه الصور مستلهماً معالمها من الطبيعة التي تحيط بالمعركة، فلم يترك رعداً أو بحراً أو مصدراً يمكن انتزاع الصورة من مكوّناته إلا ونسجها بطريقته الخاصة.
أولى المتنبي لصورة القتلى والجرحى من الروم أهمية كبيرة، فأبدع في إنتاج صور شعرية ربّما تكون من الصور المبتكرة بكامل تفاصيلها، بعيداً عن التكرار والتقليد، عن طريق صورة مركبة جعل خلالها الجثث المنثورة في ساحة المعركة كالدراهم فوق الجبل الذي هو العروس، في قوله:
نثرتَهمُ فوق الأحيدبِ كلّهِ كما نُثرَتْ فوقَ العروسِ الدراهمُ
وهذه الصورة رغم ثباتها في مخيّلة المتلقي إلا أنّها لا تخلو من عنصري الحركة واللون قبل الوصول إلى الصورة الثابتة، فحركة جثث الجند بملا يلبسونه من الدروع اللامعة تنتثر فوق الجبل الأبيض، عبارة عن امتزاج بين الحركة واللون، وربّما يكون فيها مستوى صوتيّ عند ارتطام هذه الجثث بالأرض، كارتطام الدراهم بالعروس، أو ارتطامها بالأرض بعد أن تُنثر فوق العروس.
وفي صورة أخرى لا تقّل إبداعاً، بل من الممكن أنّها تزيد، يصف المتنبي قتلى الروم وقد تطاير الشعرُ منهم على شجر الجبال، فأحالها سوداً لكثرته، فكأنّها الغربان، ودماؤهم في شدّة احمرارها على ورق الشجر كأنّها نبات النارنج:
قد سَوَّدت شجرَ الجبالِ شعورهم فــــــــــــكأنّ فيه مُسِفّةُ الغربانِ
وجرى على الورق النجيع القاني فكأنّه النارنجُ في الأغصانِ
وتتضافر مجدداً عناصر الحركة واللون في بناء صورة القتلى من الروم على أساس المفارقة التصويرية؛ فالدم الأحمر القاني يسيل على الورق، ولكن لم يقف المتنبي عند هذا الحدّ، بل جعل الحركة تنبثق من داخل اللون نفسه في قوله “سَوَّدت”، فهذا التدرّج في تطاير شعر قتلى الروم حتى وصل شجر الجبال إلى السّواد يعطي مساحة زمانية، وحركة في داخل هذه المساحة يتراكم من خلالها اللون حتى يصل إلى شكله النهائي.
ولقد أقحمَ المتنبي ذاتيته في وصف المعارك في كثير من المرّات، وهذه الأنا ليست سوى بحث عن الذات، يريد من خلالها وضع نفسه، والتأكيد على انتمائه لمن يمدحه، وبرز ذلك في أغلبه عند الحديث عمّا سيفعله جيش سيف الدولة الحمداني بالروم، وفي قليل منه يردُ موضع وصف القتال، أمّا وصف قتلى الروم، وما حلّ بهم من خسائر فهو بضمير الغائب، وأحياناً يكون بضمير المخاطب إلى سيف الدولة، وقد ساهم هذا التنوّع في استخدام الضمائر في تغيير ملامح شخصيات الصورة، مما أغنى خيال القصيدة، والرموز التي تحملها، وجعل فهمها أكثر يُسراً.
ثالثا: رُسل الروم
جاءت صور وصف الروم عند المتنبي متنوعة في طرحها، تجمع في طيّاتها معاني الخوف والرهبة من سيف الدولة، وتُبرز هيبته أمام الملوك والسفراء، وكرمه والتزامه بحماية هؤلاء الرسل، ولا يقف عند رسل الروم موقف الواصف المشاهد فحسب، بل يضع رؤيته على كلّ ما يدور في تفاصيل هذه السفارات دون أن يترك فيها شيئاً لغيره، شأنها شأن كلّ ما وصفه؛ فجعل من الرسائل دروعاً لملك الروم يشغل بها سيف الدولة عن الحرب، والكلام الجميل المنمّق دلالة على الاستسلام والخضوع:
دروعُ لملك الروم هذي الرسائل يرُدّ بها عن نفسه ويٌشاغلُ
هي الزردُ الضافي عليه ولفظُها عليكَ ثناءٌ سابغٌ وفضائلُ
ثمّ يتحرّك الشاعر في الزمن مستخدماً تقنية الاسترجاع، فيصف رحلة الرسول من بلاده حتى قصر سيف الدولة، وكيف لهذا السفير أن يمرّ بكل هذا الجيش العظيم دون أن يُقتل، فيصف سيرَه وتحرّكاته، واجتيازه:
وأنّى أتى هذا الرسولُ بأرضهِ وما سكنتْ مذ سرتَ فيها القساطلُ؟
ومن أيّ ماءٍ كان يسقي جيادَه ولم تَصْفُ من مزج الدماءِ المناهلُ
فيعبّر المتنبي عن استنكاره لمرور هذا الرسول حيّاً كلّ هذه المسافة، وهو في داخله رافض له، غير قابل برسالته اللطيفة، يريد الحرب ولا شيء غيرها، ويبني هذا المعنى كاملاً على الاستفهام، ثمّ يدخل إلى النقطة المركزية في القصيدة، وهي وصف رسول الروم بين يدي الممدوح، ولم تكن صورته أفضلَ حالاً من سابقيه، فهو مرتعب يكاد رأسه يتخلى عن عنقه لشدة الخوف، ويعبر المتنبي عن خوفه بصورة حركيّة حسّية؛ فجعله يتمايل في مشيته غير قادر على الثبات، ويُجيل النظرَ المرتبك بين السيف والممدوح دليلاً على الخوف، وأكملَ هذه الصورة باجتماع نوافر الأضداد في رؤية الرزق والوت في آن معاً، ومن خلال ذلك يضعُ المتنبي رسول الروم في حالة نفسية صعبة، فهو طامع في الرزق الجزيل الذي يراه، ويرى الموت يحدّق به، فكأنّه في صراع بين ما تراه العين وما يخافه القلب:
أتاك يكاد الرأس يجحد عنقـــــــــــــه وتنقد تحت الذعر منه المفاصلُ
يقوم تقويم السماطين مشيــــــــــــــهُ إليك إذا ما عوجته الأفاكــــــــــــــــلُ
فقاسمك العينين منه ولحظـــــــــــــــه سميك والخل الذي لا يزايـــــــــــــــلُ
وأبصر منك الرزق والرزق مطمعٌ وابصر منه الموت والموت هائلُ
ونلاحظ أنّ هذه الصورة التي رسمها لرسول الروم تغلب عليها مفارقة السخرية إلى حدّ كبير جداً، وقريب منه إلى حدّ كبير قوله:
رجا الرومُ مَن تُرجى النوافلُ كلّها لديه ولا تُرجى لديه الطوائلُ
فإن كان خوف القتل والأسرِ ساقهم فقد فعلوا ما القتلُ والأسرُ فاعلُ
رابعاً: صورة المكان وساكنيه
لم تخلُ قصيدة من سيفيات المتنبي في صراعه مع الروم من ذكر أسماء المواضع التي مرّت بها الجيوش، ووقع فيها القتال، وأحرقها سيف الدولة، وسبوا نساءها، ومن هذه الأماكن “ملطية، وصارخة، واللقان، وسمندو) كما ذكر مداخل بعض هذه المجن مثل (موزار، وعرقة)، كما ذكر القلاع مثل (الحدث) و(الران)، و(مرعش) و(خرشنة)، و(تل البطريق) و(جبل الأحيدب)، ونهر (آلس) و(جيحان)، وهي أماكن ورد ذكرها في الشواهد السابقة في معرض الحديث عن ملوك الروم وصورة المعركة.
ولقد لعبت هذه الأماكن ومَن سكنها دوراً في تشكيل الصورة الرومية في سيفيات المتنبي، فنهر آلس يدخل ماؤه في أنوف الخيول دلالة على قوة نزوله إليه وثقلها، ونهر جيحان تقل سرعة الماء فيه لامتلائه بأقدام الخيول، وجبل الأحيدت يمتلئ بجثث المقاتلين خصوصاً من الروم، ويضفي الشاعر عليه تشبيهاً كأنها عروس نثر عليها سيف الدولة الدراهم.
ولقد أقام الشاعر لبعض الأماكن تجسيداً يتمثل في علاقة مباشرة بينها وبين جيوش المسلمين، منه ما نظمه في “هنريط” و”سِميِن”، إذ تملّ هذه الحصون نزالهم، فتلقي أهلها ثمّ تزول:
ثملّ الحصونُ الشمّ طولَ نزالِنا فتُلقي إلينا أهلَها وتزولُ
ويتغزل الشاعر بالمكان أيضا، فها هو يصف قلعة الحدث بالخال في خدّ الأر ض، وفي هذا التشبيه بلاغة عميقة، جعل الأرض حسناء حرّرها الممدوح، ثمّ زرع الخالَ في خدّها، وهي عروس تمشي وتغمر الزمان بدلالها، وهذا الكمّ الكبير من تجسيد المعنويات وتشخيص الجمادات يلتحم في بناء صورة إنسانية مستلهمة من عناصر الطبيعة، والإحساس بالزمن:
غضب الدهرُ والملوكُ عليها فبناها في وجنةِ الأرضِ خالا
فهي تمشي مشيَ العروسِ اختيالاً وتثنّى على الزمانِ دلالا
اقترنت أسماء الأماكن في كثير من الأحيان بالسبي والأطفال، ولكن صورة السبي والأطفال كانت تقليدية بحتة، لم يولها المتنبي اهتماماً كبيراً، ففي بعض الأحيان ألمح إليها تلميحاً، وفي أحيان أخرى ذكر السبي وبيّن أنّهن كواسد لا يمسّهن سيف الدولة ورجاله؛ يقول:
قاسَمتَها تلّ بطريقٍ فكان لها أبطالُها ولكَ الأطفالُ والحُرَمُ

الخاتمة :
بعد الاطلاع على صورة الروم في سيفيات المتنبي، يمكن إجمال استنتاجات هذه الدراسة على النحو الآتي:
جاءت صورة الروم في سيفيات المتنبي مبنية على تآلف مجموعة من العناصر التي ينسجها الشاعر في سبيل بناء الصورة الشعرية، وكان أبرزها عناصر اللون والحركة ثمّ الصوت.
لم ينشئ المتنبي أيّة صورة من صور الروم إلا وكان البُعد النفسيّ أساساً تقوم عليه العناصر الأخرى، مما أكسب الصورة بٌعداً إنسانياً سهّل من تخيّلها وفهمها.
لجأ الشاعر إلى جملة من الأساليب التي مكّنت المعنى، وجعلت الصورة أشدّ أثراً ومكثّفة، ويبرز منها نوافر الأضداد، والمقابلة، والجناس.
جاءت المفارقة الشعرية على اختلاف أنواعها رفيقة للصور الشعرية الرومية في سيفيات المتنبي في اتجاهين؛ الأول الرفع من قيمة الممدوح وجيش المسلمين ثم وتحقير الروم والتقليل من شأنهم، والثاني إضفا الحيوية على المشهد الشعري بإدخال عنصر المفاجأة إليه.
أغلب صور الروم هي صور تركيبية تتألف من عدة صور جزئية، ومن خلال الحيوية التي اتسمت بها أضحت أمام القارئ في كثير من الأحيان مشهداً سينمائياً متعدد المراحل.
استطاع المتنبي أن يحقق التداخل في عناصر اللون والحركة، فجعل اللون يؤدي وظيفة الحركة والتدرج عبر الزمن.

قائمة المراجع
البديعي، يوسف (ب. ت)، الصبح المتنبي، ج2، القاهرة: دار المعارف
البرقوفي، أحمد (2001)، شرح ديوان المتنبي، بيروت: دار الفكر العربي
حاولي، إيليا (1996)، نماذج في النقد الأدبي، ط3، بيروت: دار الكتاب اللبناني
ضيف، شوقي (ب، ت)، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، ط2، مصر: دار المعارف
عكاوي، رحاب (2004)، المتنبي شاعر السيف والقلم، بيروت: دار النهضة العربية
عيسى، فوزي (2011)، صورة الآخر في الشعر العربي، السعودية: مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين
المتنبي، أبو الطيب (ت 354 ه)، الديوان، شرح ناصيف اليازجي، بيروت: دار الجيل
المقدسي، أنيس (2000)، أمراء الشعر العربي في العصر العباسي، بيروت: دار العلم للملايين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*