الرئيسية / ملفات / النواب ملك الهجاء السياسي/ ملف

النواب ملك الهجاء السياسي/ ملف

توطئة:
تم جمع هذا الملف ليكون في متناول الفارئ عن الشاعر الكبير الراحل مظفر النواب، والملف هو عبارة عن مقالات نشرت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية ننشرها باسم كتّابها.


مظفر النواب.. ملك الهجاء السياسي

قالوا عنه الشاعر المناضل، ووصفوه بمنشور سرّي تحول بسبب حب جماهيره إلى منشور علني، أما ألصقُ الألقاب به فكان “شاعر القصيدة المهرّبة”، إنه مظفر النواب، الشاعر المثير للجدل والدائم الخروج عن النص، ابن الناس الناطق بنبض قلوبهم وزفرات صدورهم.
بالأمس رحل عن الدنيا، لكن قصائده الصارخة الساخرة قد تعمر بيننا طويلا، ذلك أنها تحكي نكباتٍ ممتدة وخذلانا مستمرا وقهرا ما زال جاثما على الصدور. وكانت قناة الجزيرة الفضائية أفردت له حلقة خاصة من حلقات برنامج “خارج النص” تناولت فيها محطاتٍ من حياته، وسلطت الضوء على بعض قصائده وآراء النقاد فيها.
في عام 1934، وعلى ضفاف دجلة بمنطقة الكرخ ببغداد، ولد الشاعر العراقي مظفر النواب في بيت أرستقراطي، لكنه لم يكن يدري أنه سيضيع عمره بين السجن والمنفى بسبب ما تخطه يداه من أشعار رآها البعض تعكس نبض المعذبين والمقهورين، ورأى آخرون أنها تجاوزت حدود اللياقة ونالت من الحكام والزعماء، فوضعته أشعاره في كشوف الترقب على بوابات المطارات والحدود العربية.
قال عنه صديقه الشاعر عدنان الصائغ إنه شكل علامة مهمة في الشعر العراقي والعربي، استطاع من خلال تعبيره عن هموم الناس وتحدي السلطات، كسب قاعدة واسعة من الجماهير من خلال صوته المتميز.
بينما وصفه الشاعر العراقي جمعة الحلفي بالشاعر المناضل، فقد كانت هموم الناس ومطالبهم حاضرة في قصائده، وخلق أبطالا من قصائده، خاصة في الجنوب العراقي.
آمن مظفر النوّاب في شبابه بمبادئ الشيوعية، فانتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي، وناضل في صفوفه حين اشتد الصراع بين الشيوعيين والقوميين، واعتقِل أواخر 1963 في سجن الحلّة، حيث عرضت السلطات على المعتقلين تقديم براءة من الحزب الشيوعي، وتحت وطأة التعذيب قدم بعضهم البراءة ونشرت في الصحف.
وفي السجن كتب النواب قصيدة “البراءة” التي تعتبر من أهم قصائده، وهي قصيدة شعبية من جزئين، أولهما على لسان أمه، التي كانت تزوده بالطعام وتشد من أزره:
يا ابني ضلعك من رجيته
لضلعي جبّرته وبنيته
يا ابني خذني لعرض صدرك
واحسب الشيب اللي من عمرك جنيته
يا ابني لا تثلم شرفنا
يا ابني تدري بكل براءة
كل شهيد من الشعب ينعاد دفنه
خل إيدك على شيبي واحلف بطاهر حليبي
قطرة قطرة وبنظر عيني ال عميته
قل لي ما أهدم حزب بيدي بنيته
والجزء الثاني على لسان الأخت التي تبرأت من أخيها لأنه أعطى البراءة:
خُويَه قابلت السجن حرّ وبرد ليلي ونهاري
تحملت لاجلك شتايم على عرضي واشعلت بالليل ناري
تالي تهتكني بخلق وصلة جريدة
قرت عيونك يا خويه
وكانت هذه القصيدة أحد مبررات الحكم بسجنه، ولذا انتشرت كالنار في الهشيم بين السجناء، وأشعلت فيهم نار النضال والصلابة، وكانت ومثيلاتها فرس الرهان الذي وصل بالنَّواب إلى قلوب الناس.
في عام 1969 صدر عفوٌ عن المعارضين، فخرج مظفر من بغداد وتنقل بين البلدان العربية حاملا همّ الأمة وفلسطين، وساخطا على خذلان العرب لها، حتى كتب “القدس عروس عروبتكم” وهاجم فيها الزعماء بقسوة، مما جعله مهدّدا وممنوعا من دخول البلدان العربية. وقد كانت فلسطين حاضرة في أدب النواب بقوة حتى آخر حياته. يقول في القصيدة:
القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم وتنافختم شرفا
وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض
فما أشرفكم أولاد الكذا هل تسكت مغتصَبة
لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم..
إن حظيرة خنزير هي أطهر من أطهركم
يقول الشاعر السوري وائل سعد الدين الذي رافق النواب في منفاه معلقا على القصيدة: هذا جزء من قصيدة طويلة تحدث فيها الشاعر عن تاريخ الإسلام ومعاركه والفتن التي حصلت، حتى وصل إلى احتلال فلسطين، فلا يجوز بحال أن تختزل كل هذه السردية التي قيلت بعد نكبة فلسطين مباشرة، بأنها قصيدة شتائم.
أما مدير بيت فلسطين للثقافة والعودة سمير عطية، فيأخذ على النَّواب إغراقه في استخدام مفردات نابية لا تصلح في عالم الأدب والذوق العام، وكان يقحمها بغير ضرورة في قصيدة سياسية هجائية كانت تكفي لوحدها في التعبير عن سخطه، دون الحاجة لهذه المفردات. وتابع عطية قائلا: لو قدّر لي أن أكون مسؤول مناهج فلن أسمح لقصائده أن تدخل مدرستي أو بيتي.
وزّع النواب شتائمه بكرم على من يستحقونها، على أن هذه المفردات الخارجة لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا من قصائده، ومثلها الكثير في الأدب والشعر العربي قديما وحديثا، ولكن المجتمع العربي -في رأي الشاعر سعد الدين- لا يتقن القراءة يا للأسف.
ورغم المنع ظلت قصائد النواب سوطا يجلد ظهور من كانوا سببا في الخذلان والنكبات العربية، فكانت قصيدة “تل الزعتر” صرخة في وجه من تسبب بالمذبحة التي هزت الوطن العربي آنذاك، وشن فيها هجوما عنيفا على حافظ الأسد وكل القيادات التي ساهمت في المجزرة، وكعادته لم يهتم النواب بعواقب كلماته:
وضعوا المذبحة الآن هنالك..
قدّام نيافات رصيد المال الديني
رصيد الدين المالي.. رصيد القتل
آباءَ الغرب المحترمين سلاما
ابتعدوا خطوات أخرى.. خلّوا الأضواء
وخلّوا تل الزعتر يعتاد الظلمة
لم يحن الوقت.. عاصمة الفقراء لقد سقطت
لن أبكي أبدا من قاتل.. لن أبكي إطلاقا
أبكي من يبحث في القمة عن دولته
على إثرها خرج من سوريا متخفيا إلى لبنان، ومن هناك إلى ليبيا بجواز سفر يمني، ومكث فيها سبع سنوات.
“قمم”.. كوميديا سوداء تطبع فنّ السخرية من الزعماء
علا صوت السخرية والنقد اللاذع في قصائد النواب حتى وصلت ذروتها في قصيدة “قمم”، فكانت قمة في الشتم والتحريض والتخوين لكل الزعماء، وكان فيها كثير من الكوميديا السوداء واحتقار الزعماء والتهكم عليهم، حتى لم تجرؤ عاصمة عربية على استضافته:
أعترف الآن أمام الصحراء بأني بذيء كهزيمتكم
يا حكاما مهزومين ويا أحزابا مهزومين
ويا جمهورا مهزوما.. ما أوسخنا.. ما أوسخنا.. ما أوسخنا ونكابر
ما أوسخنا
لا أستثني أحدا.. هل تعترفون؟
أصبحت الغربة والمنع عنوانا لحياة النواب، يرحل من بلد لبلد ومن خذلان إلى خذلان، حتى أنهكه المرض وحال بينه وبين إلقاء قصائده، ولكنها برغم المنع والحظر والإغلاق كانت تصل إلى محبيه عن طريق المنشورات والأشرطة، وكانت غصة في حلق الأنظمة المهزومة التي تضيق ذرعا بالكلمة، حتى لُقِّب النواب “شاعر القصيدة المهرّبة”.
كانت أشعاره تقض مضاجع الطغاة، حتى كان يوصف بأنه منشور سري أصبح علنيا بسبب محبيه، ورغم تأثره بالغربة والبعد عن الأهل والأوطان، فإن هذا لم يفتّ في عضده، ولم يؤثر على عطائه الشعري.
قادت قصائد النواب صاحبها لمعاناة النفي والسجن والاغتراب، لكن إيمانه بكلماته انعكس على حب الجماهير له؛ فكانت تردد أشعاره وترى فيه تعبيرا عما تشعر به وتعانيه، وكان الناس يطاردونه ليسمعوا منه كل جديد من قصائده المحرضة على التصدي للطغيان والظلم.
ويعتبر النواب مؤسس مدرسة الشعر الشعبي الحديثة، إذ لم ينافسه فيها أو يقترب من ساحته أحد حتى الآن، وهو من نفض الغبار عن القصيدة العامّية العراقية، وقام بتحديث مفرداتها ونشرها في الآفاق، وكان في حياته قنطرة يعبر فوقها الناجون من ضفة الظلم إلى ضفة العدالة، ومن السجن إلى الحرية، ومن اليأس إلى التفاؤل.
أصغر شيء يسكرني في خلقك مولاي.. فكيف الإنسان
سبحانك كلَّ الأشياء رضيتُ سوى الذل.. وأن يوضع قلبي في قفص في بيت السلطان
ورضيت نصيبي في الدنيا كنصيب الطير.. ولكن سبحانك حتى الطير لها أوطان
وتعود إليه وأنا ما زلت أطير.. فهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر
سجون متلاصقة.. سجّان يمسك بسجان
عاش منفيا بعيدا عن العراق تارة وبعيدا عن الوطن العربي بأكلمه تارة أخرى.. غير أنه عاد أخيرا.. لكن ليدفن في بلده
أصيب مظفر النواب بالباركنسون من الدرجة الثالثة، حتى أصبحت أفكاره تضمحل وتتلاشي خلال رحلة قلمه بين المنضدة والورقة، وهنا يجدر التنويه إلى أن كل الدواوين والمجموعات الشعرية التي طبعت باسمه لم تكن بموافقته، ولم يَطبع هو إلا ديوانا واحدا في 1967 بعنوان “للريل وحمد”.
رحل مظفر النواب عن الدنيا يوم الجمعة 20 مايو/أيار 2022 عن عمر ناهز 88 عاما، ونقل جثمانه من المنفى إلى مسقط رأسه ببغداد ليدفن في مقبرة دار السلام بالنجف الاشرف حسب وصيته.

———
مظفر النواب.. هذا ما قالوا عنه

أثار نبأ رحيل الشاعر العراقي الكبير، مظفر النواب، الجمعة عن 88 عاما إثر صراع مع المرض، في أحد مستشفيات مدينة الشارقة بدولة الإمارات، حزنا عبّر عنه كثيرون عبر شبكات التواصل الاجتماعي العراقية والعربية.
وللحديث النقدي عن رحيل النواب وما تركه من إرث أدبي وفني، وعن مجمل تجربته الشعرية، يقول عارف الساعدي، الشاعر والناقد ومدير عام دائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، لـ”سكاي نيوز عربية”: “يمثل رحيل النواب محطة لاستذكار شخصية وقامة كبيرة ليست فقط شعرية وأدبية، إنما هي قامة وطنية سياسية واجتماعية عالية بنيت وصقلت مواقفها الفكرية والسياسية بناءا على أفكاره وانتماءاته التقدمية والتنويرية التي تبلورت في مراحل شبابه الأولى، فالشاعر عاش في وجدان القراء والناس لإنه تبنى قضاياهم وهمومهم، وهو ما تسبب في عيشه في العديد من المنافي خارج بلاده”.
ويضيف الساعدي: “مظفر النواب يتناوبه ويتجاذبه شاعران، الأول هو الشاعر الشعبي العظيم والمهم الذي مثل مرحلة حداثية في انتقال الشعر الشعبي لمصاف الشعر الوجداني الكبير، الذي عشش في قلوب الناس، وخصوصا بعد أن غنيت معظم قصائده في نهاية الستينات وبداية السبعينات، مع ازدهار الحياة المدنية والثقافية العراقية آنذاك، قبل البدء بعسكرة المجتمع العراقي، حيث انتقل على إثر ذلك للمنفى معارضا صلبا، ولا زالت أغنيات قصائده تلك تردد في معظم البيوت العراقية لحد اليوم”.
والشاعر الثاني هو مظفر النواب السياسي، كما يوضح الساعدي، متابعا: “والذي نجده في قصائده وأشعاره الفصيحة بلغة الضاد، والذي كتب الشعر الهجائي في نقد المواقف السياسية العربية ودافع فيها عن القدس وفلسطين، وقصائده في هذا الإطار ترسخت في وجدان وذاكرة معظم الشعوب العربية وليس الشعب العراقي فقط، ولهذا نرى حجم الصدمة في الشارع العربي عامة من غياب هذا الشاعر الكبير”.
لكن كيف يمكن تفسير هذا الاهتمام الواسع الذي حظي به النواب في رحيله، مع قول البعض أن هالة الشعر قد خفتت في ظل زمن الزمن الرقمي، يرد :”السوشيال ميديا لها محاسنها أيضا رغم انتقاداتنا لها، فالآن الترند هو مظفر النواب لكن مع الأسف عبر رحيله، وهذا الرحيل الذي باغت الناس صنع ردة فعل وجدانية ليس فقط بين الشعراء والمثقفين والأدباء والأوساط الحكومية والثقافية العربية، بل بين عامة الناس والشباب منهم حتى، وجميعهم الآن بدأوا يبحثون عن نتاجات النواب وأشعاره وسيرة حياته، وبهذا ربما يفتح رحيله بوابة لاعادة الاعتبار للقراءة والمراجعة”.
لكن هل تعود شهرة النواب الواسعة وأشعاره لكونه شاعرا ملتزما أم لكونه شاعرا مبدعا للشعر من أجل الشعر فقط من زاوية فنية بحتة ومجردة، بغض النظر عن محتواه السياسي، يجيب الساعدي :”تجربة النواب غنية ومتعددة ولا يمكن حصرها في قالب واحد، حيث لديه قصائد شعرية كتبت من أجل الشعر، وخاصة الشعبية منها لكن شهرته الواسعة تحققت بفعل مواقفه وأشعاره السياسية الهجائية، حيث الجميع يحفظون شتائمه في إحدى أشهر قصائده الهجائية والتي لم تكن في واقعها شعرية، بل عبارة عن هجاء وذم سياسي بسيط لكنه تعبير عن موقف سياسي طبعا، ولهذا حظي عبر التزامه السياسي هذا بحب الكثيرين وتقديرهم، رغم أن هذا الالتزام لا يعني أن قصائده بالفصحى كانت عالية الجودة فنيا في مجال الشعر الفصيح، لكن في مجال شعره الشعبي لديه ولا شك الكثير من القصائد العالية السوية الفنية، وحتى لديه مثلها في أشعاره الفصحى، فمثلا نصه الذي يقول : “تعلل فالهوى علل وصادف أنه ثمل، يعد من نصوصه البالغة القوة فنيا وتعبيريا، بسبب ابتعاده فيه بعض الشيء عن النزعة الأيديولوجية والسياسية”.
فهل يمكن اعتبار تدني المستوى الفني نسبيا للشعر السياسي المباشر بصفة عامة انعكاسا لطغيان الانفعال والأدلجة، يرد الساعدي: “الشعر السياسي والهجائي الذي كتبه النواب مثلا في السبعينات والثمانينات لا يصلح غالبا في هذا الزمن، فهو إبن زمنه ولا شك وظروفه، وهذا الشكل من الشعر هو يشتهر وينتعش فقط في ظل القمع والكبت والمنع والأنظمة الديكتاتورية، أما في ظل الأنظمة الديمقراطية والحريات، فإن هذا اللون الشعري يبهت ويخفت ولا يجتذب الجمهور والقراء”.
لكن ماذا عن القول إن المؤسسات الثقافية العراقية الرسمية مقصرة في الاهتمام بالمبدعين ورموز الثقافة العراقية، ولا سيما المرضى منهم والمتقدمين بالسن، يجيب المسؤول الثقافي العراقي: “صحيح تماما والتقصير يشمل عموم مثقفي العراق بالداخل والخارج وليس فقط مظفر النواب، فهل يمكنك أن تأتيني بمستشفى عراقي جيد قادر مثلا على استضافة النواب على مدى 6 أعوام، لا طبعا حيث لا وجود لهكذا مؤسسات صحية متقدمة هنا، وهكذا فالسياسيون العراقيون حين يمرضون يعالجون في مستشفيات خارج العراق”.
ويضيف مدير دائرة الشؤون الثقافية العراقية: “رغم علاقات مظفر النواب الواسعة والجيدة مع مختلف السياسيين العراقيين ولا سيما بعد العام 2003، وخاصة مع الرئيس العراقي الراحل مام جلال الطالباني، الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة وبينهما حب وتقدير بالغان، حيث عرض عليه الطالباني البقاء في العراق، لكنه رفض وفضل البقاء في دولة الإمارات في الشارقة، وحين مرضه عولج فيها برعاية كريمة من حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي”.
وعن آخر لقاء جمعه بالراحل الكبير في الإمارات، يقول الساعدي: “في العام 2018 حضرنا مؤتمر اتحاد أدباء العرب المنعقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وعندما استضافنا الشيخ القاسمي في منزله على هامش المؤتمر، تقدمنا له بالشكر الجزيل على استضافته ورعايته للشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، وطلبنا منه التكرم بالموافقة على زيارتنا للنواب بالمستشفى ووافق مشكورا، كون الزيارات كانت ممنوعة بسبب حراجة وضعه الصحي، لكن موعد الزيارة حدد بعد أيام، ومع الأسف غادرنا نحن في اليوم التالي لبغداد، لكن بعد ذلك في العام 2020 خلال زيارتي إلى مدينة الشارقة الإماراتية، قمت بزيارة النواب في المستشفى هناك، بمعية الصديق الشاعر الإماراتي حسن النجار، حيث قبلته في جبينه”.
هذا ونعى الرئيس العراقي، برهم صالح، في تغريدة عبر تويتر الشاعر النواب قائلا: “يبقى حيا في ذاكرة الشعب من زرع مواقفه السياسية والوجدانية بشكل صادق”.
من جهته قال رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، في تغريدة على حسابه في تويتر: “الراحل الكبير مظفر النواب. العراق الذي طالما تغنّيت باسمه أينما حللت، وأفنيت عمرك لإعلاء مكانته، يكتسيه الحزن وهو يودّعك إلى مثواك الأخير مثقلا بأسى خسارة ابن بار ومبدع لا يتكرر”.
كذلك نعى وزير الثقافة العراقي، حسن ناظم النواب، في بيان وصفه فيه بأنه من “أهم الأصوات الشعرية العراقية”.
واعتبر أن “رحيله يمثّل خسارة كبيرة للأدب العراقي لما كان يمثله كنموذج للشاعر الملتزم، كما أن قصائده رفدت المشهد الشعري العراقي بنتاج زاخر تميز بالفرادة والعذوبة”.
هذا واستعاد عراقيون وعرب على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع من قصائد النواب، التي كان لها تأثير كبير في الشعر العربي والشعر الشعبي العراقي، معربين عن حزنهم لفقده.
وللنواب العديد من القصائد، أبرزها قمم قمم وأصرخ والبراءة وسوف نبكي غدا وأيام العشق.

——

في تأبين الشاعر مظفر النواب
جميل الشبيبي
إن رحيل الشاعر مظفر النواب، يترك فراغا تاريخيا عن معنى وجدوى الإشكالات السياسية والثقافية والشعارات الثورية التي التي اعتنقها النواب طيلة حياته مع نخبة كبيرة من المثقفين العراقيين ازعم ان جيلنا كان متأثرا بها بل معتنق لأفكاره، ,وخلال ذلك خسر النواب ما خسر فأصبح تاريخه تاريخنا ، لقد أكسبته هذه الأفكار مكانة رفيعة في نفوس جمهوره شاعرا ومناضلا،وأصبح رمزا من رموز عقود القرن العشرين،على الرغم من ان نضاله وشعره لم يكتملا بتحقيق الحلم الذي كان يراود ضميره المتجسد في وطن حر وشعب سعيد شعار الحزب الذي انتمى إليه وناضل في صفوفه، لكن ذلك لم يضعف شخصيته ولم يثلم مبادئه لكنه أضفى على شخصيته وموقفه احتراما وتقديرا فأصبح إيقونة ورمزا، في الشعر وفي المواقف السياسية.
لنا الحق نحن الأحياء الباقين من جيل الستينيات من القرن الماضي، بعد أن دخلنا في نفق الثمانين، أن نفخر بهذا الانتماء بعد أن رأى: البعيد والقريب العدو والصديق مظاهر التزاحم الكبير للعراقيين في تشييع جثمان الشاعر،على الرغم مما رافقه من مظاهر احتجاج وعنف، فقد كان الحزن وعواطف الشباب وكبار السن سائدا…وإذا استثنينا مظاهر العنف، فقد وحد الشاعر مشاعر الناس من مختلف الانتماءات بكونهم عراقيين ..
غير أن الذي جرى،لم يكن سوى عاطفة صادقة من عراقيين عرفوا الشاعر وعرفوا محنته في الدفاع عنهم ضد كل أشكال العسف وتمنى لهم في أجمل ما كتب حياة راقية تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين والقرون القادمة..
أما الإشكالات الثقافية والسياسية والأسئلة الكبرى التي تطرح الآن على الأفكار اعتنقها الشاعر وجيله والأجيال التالية لهم، بوصفها موضع شك وتساؤل كبير في زمن العولمة وما بعد الحداثة التي ألغت يقينيات العلم واستبدلتها بالهوامش والزائل من الأمور،وهي أسئلة تتعلق بمفاهيم ومصطلحات ثقافية وسياسية كانت سائدة آنذاك ثم انحسرت أو أصبحت قضايا للتندر والسخرية من قبل مثقفي ما بعد الحداثة بعد ان حصدت هذه الأفكار والرؤى أرواح الآلاف،وعذبت وسلبت حريات آلاف أخرى منهم في القرن الماضي، لأجل تحقيقها على ارض الواقع .
سأتخذ من تغريدة الكاتب السعودي تركي الحمد التي كتبها في موقعه بعد رحيل الشاعر مظفر أنموذجا :(رحم الله مظفر النواب الذي كانت قصائده تطربنا أيام الثمالة الإيديولوجية والحماسة الثورية،ولكنه في النهاية لم يجد الملجأ والرعاية إلا في دولة ( رجعية)مطبعة مع إسرائيل وفق تصنيف الخطاب السياسي العروبي ، وهذا التناقض هو ديدن العقل السياسي العربي المؤدلج اليوم وبالأمس …رحمة الله عليه….
بداية ألاحظ أن الحمد لم يسخر من منجز الشاعر الشعري الذي كتبه باللغة الفصحى والعامية، بل سخر من تاريخه السياسي، من خلال مصطلحات ومفاهيم كانت سائدة آنذاك حين يقول ( الثمالة الإيديولوجية،الحماسة الثورية، الرجعية والتقدمية، التطبيع مع إسرائيل ..الخ وهي تحيل إلى مجمل المصطلحات الثورية التي حملناها شبابا – وكان الحمد واحدا من حملتها!!!-وعانينا من ثقلها على حيواتنا الغضة،وعلى حياة عوائلنا الفقيرة لكنها كانت أحلامنا التي كانت تغذي حياتنا البسيطة وترفعها إلى مستوى الفردوس القادم.
ومع هذه السخرية الواضحة نسأل أنفسنا هل كان الكاتب تركي الحمد ساخرا دون دلائل او قرائن تضع هذه المصطلحات والأفكار موضع التساؤل عن جديتها وقدرتها على معايشة الواقع الثقافي الذي أفرزته العولمة وثورة الاتصالات؟ وهل هي بحاجة إلى وفحص وتدقيق وقراءة جديدة لها؟؟
نعم نحن نعيش عالما مشاكسا تتغير فيها الأفكار والرؤى،ولكن ذلك لا يغير من الأمر شيئا،فتلك الأفكار الثقافية والسياسية التي امن بها النواب وجيله والأجيال التي جاءت بعده، كانت سائدة في نسق متصاعد أيامها،وكان الإيمان والتصديق بها انتماء صادقا مرحبا به، وحين تغير الزمن وسادت أفكار أخرى: هل معنى ذلك أن نلغي تاريخنا، أو نسخر منه على ما يطابق الواقع الحالي!!!وهل يتجرد الإنسان من تاريخه الشخصي والعام لإرضاء نفوس لم تشعر يوما بجدوى ان ينتمي الإنسان إلى الآخرين ويدافع عنهم وكأنه يدافع عن نفسه!!
إن سخرية الأستاذ تركي الحمد من ( الثمالة الأيديولوجية والحماسة الثورية) وغيرها، ومن تاريخ شاعر ترسخت صورته في وجدان شعبه سخرية لا معنى لها،ولعله رأى مظاهر التشييع التي أظهرت تعلق الناس بالشاعر الذي عبر بهم إلى عالم الأحلام وتخطى بؤسهم .. أقول (للأستاذ ) تركي الحمد انك تسخر من ذات تعالت على آلامها لتصبح رمزا متعاليا لناسها، باحتكامك إلى أفكار عالم صاخب وضاج تضيع فيه الحدود ويختلط فيه الصواب بالخطأ،ويمحى الخيط الفاصل بين الخير والشر ( والتقدمي والرجعي)!!!
سيبقى الشاعر مظفر النواب قامة شامخة، وشاعرا كبيرا ومناضلا،لتحقيق أحلام الناس وتطلعاتهم، لا تثنيه أو تضعف من موقفه نوبات المرض اللعين.

—–

مَن لهُ قلبٌ ليتحدَّث
نجوان درويش

مأساةٌ بالتصوير البطيء هي حياة شاعر ثوريّ بعد غروب آخر الوعود الثورية في دنيا العرب؛ الدنيا التي اختلطت فيها الثورات بالأنظمة الاستبدادية، وصُور جمهوريات الموز في أدب أميركا اللاتينية بـ “الدولة الوطنية” بعد زوال الاستعمار المباشر.
مأساةٌ بالتصوير البطيء هي مرض شاعرٍ لعقد أو أكثر خارج أرض أحلامه، وموتُه خارجها تماماً. مأساة لا نستطيع لفَرْطِ ما أُضعِفنا أن نستشعر جلالها، لذا نستتر بالصمت.
مَنْ له قلبٌ ليتحدّث في الشعر والحداثة وأَن يزن أحكاماً نقديةً، مَن له قلبُ أن يصوغ مرثاةً، مَنْ له قلبٌ لأيّ شيء في دنيا العرب الكليمة.
يخطر للإنسان أن يعتذر بلا كلمات أمام المأساة، يخطر له أن يجد معنى يَشدّ الأزر بدل المعاني المثبِّطة التي يمثّلها رحيل شاعر “القدس عروس عروبتكم”، و”العُقُل” العربية تتدافع للاصطفاف أمام حُجرة الاغتصاب وأمام جنازة الشاعر الأسير، أَسْر الأوطان وأَسْر المرض وأَسْر موتِ الأحلام، وأسْرنا نحن الذين بقينا “أحياء”، نتذكّر الصوت المجلجل بالنبوءة ونحاول أن نعتذر.

—-

مظفّر النوّاب: الصيحة والبشارة
عباس بيضون

رحل مظفر النوّاب الذي طالما تردّد خبرُ رحيله في الأعوام الأخيرة التي اختفى فيها عن الجمهور، وعن الشِّعر الذي أحدث فيه دويّاً حقيقيّاً في حقبةٍ تردّدت أشعارهُ الغاضبة الصارخة، والشاتمة أحياناً.
كان مظفّر النوّاب، حينذاك، صيحةَ مرحلةٍ اختلط فيها الشعور بالعار الوطني مع الحماس والتبشير بمرحلة جديدة ليست الكلمة وحدها من أسلحتها؛ بل السلاح الفعلي والمقاومة المتفجرة والثورة التي على الأبواب.
كان النوّاب، يومها، بحجم ذلك العنف الكامن وتلك البشارة الواعدة. لا يمكننا أن نفصل لذلك بين مظفّر الشخص ومظفّر الداعية الذي كانت أمسياته المنتشرة في كلّ مكان جزءاً من مستقبل مشرف من بعيد، جزءاً من حدث يتمخّض ويكاد ينفجر وسط الصراع، ووسط الغضب الجماعي.
لم يكن في المستطاع أن نفرز ظاهرة مظفّر النوّاب من هذا الحدث الذي يتململ في الأفق. لم يكُن شعره، آنذاك، ماثلاً للأدب أو الشعر بقدر ما كان جزءاً من لحم الواقع ومن دمه، جزءاً من مستقبل موعود، من حدثٍ هو على الطّريق، من معركة. لم يكُن في المستطاع تناوُل الشعر “النوّابي” وحده، تناوُله فقط كشعر، أو قراءته بمعايير أدبية، أو عرضه هكذا على النقد الأدبي، على شعريةٍ ما بالمفهوم اليوناني للكلمة. لم يكُن ممكناً حتّى قراءة مظفّر كنصّ وفصله هكذا عن الأحداث. بل كان لا بدّ من تناوُله هو نفسه كحدث. كان أغنيةَ المعركة. لمرّة لم يكُن الأغنية فحسب، بل كان في صميم المعركة. كان هكذا، على نحو ما، المعركة نفسها.
كان هناك، بالطبع، من أنِفوا من قراءة مظفّر على النحو هذا. هؤلاء كانوا قلّة وقضيّتُهم، بالدرجة الأولى، كما ادّعوا، كانت الشعر. تصدّوا للدفاع عن الشعر الذي خافوا عليه من أن يغرق في الواقع وأن تلتهمه الأحداث. خافوا عليه من أن ينزل عن مستواه وأن يتحوّل هكذا إلى حكي شوارعي، إلى مباشَرة فظّة وإلى مجرّد سرد ومجرّد تزيين للواقع وقولٍ آخر له.
كان على الشعر هكذا أن يكون له مستواه وأن يحفظ درجته، أن يكون لنفسه فحسب. أن يكون همُّه فيها وألّا يسمح لحكي آخر أن يتغلغل فيه ويحرفه عن ذاته. كان على الشعر، بالنسبة إليهم، أن يبقى في نفيه، أن تكون قضيّته هناك. لم يكن ذلك يعني ألّا تكون له دعوى أو قضية. إذا كنّا، ذلك الوقت، نتكلّم عن الحداثة، فإنّ ذلك لا يحيلها إلى سياسة أو إلى دعوة أو إلى قضيّة اجتماعية. كان لها اشتراكُها مع الشعر في سماء واحدة. كان لها تساميها بحيث يمكن لها أن تماهي الشعر، وأن تكون هكذا، مفردة أُخرى له، مصطلحاً ثانياً واسماً آخر. كان الشعر حين يسمّي الحداثة يسمّي نفسه. كان الشعر هو أيضاً الرفض والثورة والتغيير. يمكننا القول إنّ الشعر يتحوّل هكذا إلى بديل كامل شامل. الشعر يتحوّل إلى نظريّة بذاتها، وإلى مستوى أعلى وإلى عالَم. لم يكن هؤلاء الذين أنِفوا من شعر مظفّر إلّا من يُريدون أن تُقال الأشياء ذاتُها، ربما، بطريقة أُخرى وبمستوى آخر.
كان لي حظٌّ أن أحضر مظفّر؛ وحين أقول أحضر أعنيها تماماً، الإصغاء إليه مشهدٌ كامل. ليس الشعر وحده هو الذي يلعب. معه يلعب الشخص بصوته وجسده. كان هناك ما يشبه العرض، اليدان تجسّدان وتؤدّيان والصوت يقارب أن يغنّي. أذكره وهو يؤدّي كلمة “تمطر” بصوته ويديه، يلعبُ بالكلمة إلى حدّ أن نشعر بها تمطر في فضاء الصالة.
كان، وهو الشاعر الشعبي، يشبه أن يكون من الشعراء المغنين، نوع من التروبادور. لعلّ هذا في أصل شعره. كان يومها يُلقي، وأقول يتغنّى بأولى قصائد “وتريّات ليليّة”؛ هذا العنوان الذي يجمع بين الشعر والغناء. لم يكن الديوانُ كلّه غضباً وعنفاً وسباباً؛ أو ما يُشبه السباب، كما شاع شعر مظفّر. كان في الديوان ارتعاشات شهوانية مقرونة بهمس وبنبض يشبه الزفير والخفقان. هذا الجانب في شعر مظفّر الذي، على فرادته، لم يدرج وكأنه لم يُقرأ. كان في “وتريّات ليليّة” الكثير مثله. الكثير الذي يكاد أن يكون بوحاً وارتجاجاً وارتعاشاً جسدياً.
في “وتريّات ليليّة” أيضاً كلام مكشوف مغتاظ ينفث تأنيبات وغضباً وحتّى شتائم. بالطبع، يأخذ كثيرون على مظفّر شتيمة من مثل “أولاد القحبة”، لكن سباباً كهذا يُفهم إذا ورد في كلام شعبي. إنّه ما يقذفه الفم ساعة غضب، ما ينبس به المواطن البسيط عن حنقه. لا أستحبُّ أن يتضمّن الشعر كلاماً كهذا، لكنّي أفهم أن يتضمّنه. أفهم أن يرد في كلام، بل لا أجد ما يدعو إلى تحريمه، خاصّةً إذا كان هذا التحريم بحجّة أنّه إساءة إلى الآداب وفجور شائن. لا أجد محلّاً لهذا النوع من الأخلاق في عمل أدبي.
مع ذلك، فإنّ هذا الشعر، بخلاف السائد، بعد أن حصد دويّاً وانجذابات في كلّ مكان، ما لبث أن توارى، في نوع من القصاص على شعبيته هذه. وجد من يردّ ذلك إلى خطابيته السياسية. إلى استغراقه السياسي، في نوع من النقد الذي يُنزّه الشعر عن الدعاوى السياسية، لكنّ نقداً كهذا، وإن عرف ودرج أحياناً، بقي حبراً على ورق ولم يؤثّر في قراءة الشعر أو رواجه وصيت صاحبه. إذ إنّنا لا نعرف شاعراً اشتهر بفضل شعره فحسب، ومن دون أن يردف ذلك دعوة ما سياسية، أو تتّصل، من بعيد أو قريب، بالسياسة، كتلك الدعوة إلى التحديث أو الاعتراض كما أسلفنا.
قد يكون مظفّر، الذي كان شعرهُ تظاهرة سياسية، هو الوحيد الذي عوقب على ذلك. ربّما لأنّ معركته هي التي انطفأت أو فقدت زخمها.


* شاعر وروائي من لبنان

—–

رفيق مظفّر.. الشَّبابيكُ تكتظُّ
علي صلاح بلداوي

رفيق مظفّر، قرأتكَ أوَّل مرَّة خلف ماكينة الخِياطة، عصرَ يومٍ قائظٍ، وكنتَ أوَّل مَن أُصادفُه في عالمٍ موبوء، فكانت مباركةً هي الصُّدفة التي قادتني إليك.
قرأتُ قصائدكَ فلم أفهم الكثير، كنتَ عَصيًّا على صبيٍّ يطرق باب الشِّعرِ على استحياء ويخاف منه. لم تكن تلك اللّحظة سوى ظِلٍّ لقطرةِ ماءٍ من بحرك. صادفتُكَ كثيرًا، وتعرَّفت عليك مِرارًا، وكنتُ أجدُكَ في كلِّ نوبةٍ من نَوبات الحُزن أو الوَجْد. “مو حزن… لكن حزين”… نشيدٌ أحفظه لأنّ ما أريدُه ليسَ أكثر من قصيدةٍ تفضحُ ما بداخلي دفعةً واحدةً، وتُشرّع الباب لآهةٍ حبيسةٍ.
آهاتُكَ كثيرةٌ يا رفيق، وعندي مثلها كذلك، لكنَّك كنت تتولّى المهمّة في كلِّ مرّة.
ديوانُك “الرّيل وحمد” حين وجدتُه على “بسطيَّةٍ” في شارع المتنبّي قبل أعوامٍ طويلة، هو أوّلُ ما حملتُه وتباهيتُ به هناك، فصارت صداقتُنا العابرة للمكان والزمان وطيدة. على ورقته الأولى كتبتُ اسمي بجانب اسمِك حتّى قبل أن أدفع ثمنَه للبائع، هكذا شعرت كأنَّني أُجاورُ اسمكَ، ثم صرتُ أُجاورُ اللوعة العراقيَّة في صوتكَ وأنت تغنّي: “هضيمة تحنّنْ الشّامتْ عليّه”.
يبحثُ بعضٌ عن هفوةٍ في قصيدةٍ صَرْخَتَ بها، وآخرونَ منشغلون بمنفاكَ في بلدٍ لم يكن في قواميسِ محطّاتك الكثيرة، وأبحثُ فيكَ عن الإنسان العراقيّ في صدقِه الخالص ونسختهِ الفريدة، عن الصوفيِّ في غربتهِ وعن الثائرِ في مِحنته، وعن العاشقِ في بُعدهِ وعجزه. غريبًا لم تَمُتْ من كلِّ قلبكَ كما أردْتَ: “لكنَّها بلادي… لا أموتُ من القلبِ إلّا فيها”، وغريبًا في بلادك التي وصلتَها، وقد تحقَّقت نبوءةٌ قلتها ذات يوم: “يجي يوم نْرد لهلنا”، فعُدتَ.
لم يكن موتُكَ قبيحًا كما قلتَ: “قبيحٌ أن أسير إلى الموتِ بدون عيونٍ عراقيَّةٍ في الشَّبابيك”. كنتَ تسير إلى محطَّتكَ الأخيرة، والشَّبابيكُ تكتظُّ.


* شاعر عراقي من مواليد 1996

—-

نيابةً عنّي وعنك: مو حِزن لكن حزين
محمد هديب

عرفتُ مظفّر النواب مثل كثيرين غيري عبرَ أشرطة الكاسيت المَمنوعة. شريط لونه أخضر في مسجّلٍ تُضغط أزرارُه من فوق، وإذا انقطع نلصقه بمانيكير.
لا أتذكّر أنّني رأيتُ أمّي أو بنتاً من بنات الدار تمنكَرت، لكن هذا الطِّلاء الأحمر موجودٌ، للصق ما ينقطع من صوت مظفّر، الذي كُنّا مؤمنين بأنّه يصعد إلى المسرح سكرانَ حتّى يفقدَ سيطرتَه على لسانه، وهو يجوح بصوت مشروخ: “هذا وطن أم مبغى؟”
بصوتٍ واطئٍ للمُسجِّل والنافذة مُغلقة، احتجنا دائماً لشخصٍ يُفقدنا صوابَنا، ويُعلّمنا درساً في التخريب، قبل أن نتمكّن ـ أنا وغيري ـ من قراءته بالفصيح والعامّية ونتعرّف إلى عوالم أُخرى تفيض بشجنِ عاشق مُصاب إصابةً قديمةً.
وبسببٍ من جماهيرية القصائد المَمنوعة، تقاسم إرثَ الشاعر مُريدون في فسطاطَين مُتدابِرَين، فهو من جانبٍ شاعرُ الهِجاء السّياسي الذي لا يُدانى، كما تبدو قصائده أشدّ لزوماً كلّما نظر الناظر، فوجد الحال قبل عقود، مقارنةً مع الدَّركات التي سنهبط إليها فيما بعد، أقلَّ رداءة وربّما وصفوه بـ”الزمن الجميل”.
ومن جانب هناك من أدار الظهر، نفياً لأيّ تبعات سياسية تضرّ بالقصيدة، وبما يذكّر بمقولة شاعرٍ آخر عن “الشِّعر الضّروري”، أي الذي ينبغي قولُه في ظرفٍ تاريخي معيّن، فوجد الضّالة الثمينة في شعره بالدّارجة العراقية.
ظلّ هجاءُ مظفّر النواب السياسي المرير صوتاً في شريط كاسيت، وعبر عقوداً طويلة، وظلّ إلى يوم الناس رسالةً واضحةً إلى الوطن “الممتدّ من البحر إلى البحر. سجونٌ متلاصقة. سجانٌ يمسك سجان”.
وبقيت قصيدته حتّى مماته، اليومَ، في مدوّنة الشعر العربي بما فيها من خُصوصيّة تأخذُها كلّها، مرحّباً أقلّه باختلافها لجهة الشّعر المطواع في لغته، والحضور المونودرامي الذي لا يُنتزَع من المشهد.
بدا مظفّر على الدوام صوتَ الشاعر الجوّال، السَّاخط في حاراتنا، والماجن في الحانات والحزين نيابةً عن كلّ عربي يُنادي “مو حِزن لكن حزين”.

—–

مظفّر النواب.. الممنوع والكاشف
علي أبو عجمية

رحل الشاعر الطوّاف إذن. رحل كأنه يحقّق إشاعة موتهِ التي لازمته في السنوات الأخيرة الماضية. اسمُه الشهير ارتبط بسياسة الشِّعر أكثر من كونه رمزاً لشِعر سياسي هجّاء؛ إذ قاد الكلمات إلى القضايا الكبرى، وعمّد الرسالة بالرفض الغاضب، ولاسن النقد بالنقد، مطالِباً بالتثوير.
شاعرٌ طوى حياته بين نوستالجيا السماح بالتسلُّل إلى تاريخ المنع ونهايات الاغتراب وتحوُّلات المنفى بالإقامة بين الصمت والمرض أو منازعتهما. كأنّه شهادة موثّقة، ووثيقة، على تحوُّلات السلطة العربية، ومخاضات الولادات العسيرة للدولة في العراق، ومنطقتنا العربية عموماً، واحتدام الأيديولوجيات في صراعاتها.
ثمانية وثمانون عاماً عاش تعدادها بالخسارات الشخصية والجماعية. ولا ندري أيّ سَأَمٍ أحالته إليه اللغة باستدعاء أحد أجداده المعمّرين: زهير بن أبي سلمى الذي ثمّن ثمانينه كمعلّقة. لكن في تجاوُز الثمانين لدى مظفّر النوّاب عقود من المنافي المتعدّدة، احتماءٌ بالأرض من الأرض، وكشفٌ مستمرٌّ في سبيل الممنوع الذي انتهى مرغوباً ورائجاً ومحرّضاً على اقتناء الحرية الصغيرة حتى لو على شريط تسجيل صوتي. الشريط الذي سيصبح، مع الوقت، صيغة وجدانية لأجيال أنجزت دورها الطليعي، بما تذلَّل لصعابها وأمكن لها، فقدّمت ميراث الهزيمة بما تُراهن فيه على من أتى بعدها لإزاحته حيناً، أو تذريره في المعاني الراهنة أحياناً أُخرى.
عريساً لهزائم العربي زُفّ مظفّر النوّاب. ظَفرهُ الذي في الاسم كان يمانع جدار الهزيمة مبشّراً بالنصر. عريساً في عرس الكلمات الجريحة التي لو اعتملت؛ تعالج ندوبها بالشتيمة بوصفها فطرة العنفوان الأوّل. وبوصفها البذاءة المنشّاة باللغة، وما أطهرها وأعمقها وأقربها من بذاءة. فالقدس عروس مخذولة. “القدس عروس عروبتكم”. وكأنّ الشِّعر هو الشعار. والجملة الوصمة هي ضمير الفاعل السياسي في مواجهة العار الكبير.
“واخجلي من بيت مهزوم.
وسيخجل من باعوا لغتي؛
فأنا مكتوب في الأرز وفي العسل الأخضر في التين.
وأن أطعم بالسكر نخلات “الكوفة”
والأطفال على رابع جسر في “العشّار”
أنا لا أملك بيتاً أنزع فيه تعبي
لكنّي كالبرق أُبشّر بالأرض
وأُبشّر أنّ الأمطار ستأتي
وستغسل من لوحتنا كلّ وجوه المهزومين”
وكما ارتبط مظفّر، اسمه الأول، بالعام والعريض والجماهيري؛ ارتبط النوّاب، اسمه الثاني، بنوبات الحزن العميقة. كانت قصائده الفصيحة وقصائده باللهجة المحكيّة تبعث حالات استثنائية من التجريب العميق والتجريد الجمالي المحمّل بالأنفاس السكرانة في محاكاة تهدج صوته الغنائي، وحضوره الشخصي كعلامة أساسية للقاء نصّه وتلقّيه. يقول في قصيدة “باللون الرمادي”:
“لقد سكرتُ من الدنيا ويوقظني
ما كان من عنبٍ فيها ومن بَلحِ
تهرّ خلفي كلابُ الليل ناهشةً
أطراف ثوبي على عظم من المنحِ
ضحكت منها، ومنّي، فهي يقتلها
سُعارها، وأنا يغتالني فرحي”.
هكذا واصل فرح الغناء اغتيال المغنّي. عراقيّاً كما تمنح الولادة صبغتها الأولى انبعث الشاعر، وعربيّاً كما تشترك الأوطان في روحها واتصالها ووحدتها تنقّل كقصيدته المهرّبة، وكونيّاً كما شاءت ثقافته في معركتها ورهانها كان ويبقى. إنّنا برحيلهِ نخسر أحد أعلام ديواننا المهزوم، وتخسر العربيّة نخلةً رقّ سَعَفُها من الحزن، لكنّها بقيت ثابتة بالرفض والهجاء والغضب.
الهزيمة على حالها، والرثائيات كذلك.


* شاعر من فلسطين

——
مظفّر النوّاب.. كان هكذا شاعر الأغلبية
محمود الحاج

نُفاجأ حين نعثر، بالصدفة، على الأعمال الكاملة لـ مظفّر النوّاب (1934 – 2022) في مكتبة دمشقية أو في معرض كتابٍ بيروتيّ. أعمالٌ كاملة نراها، فوق ذلك، في أكثر من طبعة وعن أكثر من دار نشر: طبعاتٌ بأغلفة مصمّمة على عجَل، كما يبدو، أو بشكلٍ هاوٍ، مطبوعة على ورقٍ رخيص، ومغلّفة بكرتون تلمع طبقة البلاستيك الشفّافة عليه. كيف يمكن لشاعر لم ينشر، حسب علمنا، إلّا ديواناً عامّياً (“للريل وحمد”) وآخرَ فصيحاً (هو عبارة عن قصيدة واحدة طويلة – “وتريّات ليليّة”)، أن يُصبح من هؤلاء الذين تَجمع دور النشر أعمال حياتهم وتقترحها على القرّاء؟
ليس التساؤل إنكارياً. فالقصائد التي وضعها النوّاب كثيرة، وهي حَريّة بديوان كامل. نُفاجأ، فقط، لأننا لا نتخيّل الشاعر العراقي – الذي رحل عن عالمنا أوّل أمس الجمعة عن 88 عاماً – واقفاً في صورة جماعية بين الشعراء الذين عادةً ما تُطبع أعمالهم الكاملة؛ الشعراء الجدّيين، المؤنّقين، الذين يستيقظون كلّ يوم عند ساعة معيّنة، يتناولون فطورهم ويبدأون بالكتابة – عند ساعة معيّنة أيضاً – قبل أن ينتقلوا إلى مهامّ أُخرى في برنامجهم اليومي. صورته في بالنا، وفي بال كثيرين ممّن عرفوه وعرفوا تجربته، هي صورة شاعر هامشيّ، يصعب جمع آثاره. وللشاعر الهامشيّ اسمٌ في التراث الشعريّ العربيّ: صعلوك. ليس في الكلمة تحقير. فالصعلوك، كما عرفته العرب، وكما نعرفه اليوم، هو ذاك الخارج عن أعراف أقرانه، وهو، بلغة كولن ويلسن، ولغة المثقّفين العرب في الستّينيات والسبعينيات، غير منتمٍ.
رغم المكانة التي وصل إليها النوّاب بدءاً من ثمانينيات القرن الماضي عند قوسٍ من المستمعين والقرّاء العرب، إلّا أنه لم يكن، بالمعنى الحرفيّ، منتمياً إلى أقرانه من الشعراء. لا نتخيّله، بالتأكيد، جالساً إلى طاولة، عند ساعة معيّنة، ليكتب. ولا نتخيّله جالساً أمام ناشر أو ممضياً ساعة معه على الهاتف للحديث عمّا سيُصدره. بل قد لا نتخيّله كاتباً أبداً. ما نراه، هو شاعر يتكلّم، يقول ما يريد قوله، يلقيه ربّما أمام آلة تسجيل أو يُفضي به إلى أحدٍ ما من أصدقائه ومريديه الشباب، كي يدوّنه عنه. وإذا صارَ وكتب، فقد يكون واقفاً، في غرفةٍ أو في الشارع؛ قد يكتب على يده ربّما، على منديل ورقيّ، أو على وصفة طبّية يُسندها إلى ركبته أو إلى كتابٍ ما، كي لا تتمزّق تحت رأس القلم.
لا نتخيّله جالساً إلى طاولة ليكتب، بل شاعراً يتكلّم ويقول
ذلك أنّ الشاعر الراحل كان، قبل كلّ شيء، شاعراً شفاهياً. لا نقول هذا لأنه قال شعراً عامّياً – ربّما عُرف به ونال استحساناً أكثر من شعره الفصيح – بل لأنّ علاقته بالقصيدة، حتّى تلك التي وضعها بالفصحى، هي علاقة كلامٍ وحديث، كما لدى قدماء العرب. والحديث، كما يعلّمنا الفلاسفة، أقلُّ ضبطاً للعواطف من الكتابة. إنّه ابن الحدث، ابن اللحظة، بما يعنيه ذلك من فوريّةٍ وفوَران، من عفويّة ومن غيابٍ لسُلطة الوقت وإعادة القراءة (إن لم نقلْ لسلطة العقل). إنّه أقلّ دبلوماسيةً من الكتابة. وهو، قبل كلّ شيء، أكثر رنيناً، غنائيةً ولحناً. لهذا ربّما، ولأسباب أُخرى بلا شكّ، لم يجد عدد من المغنّين العراقيّين صعوبةً في تلقُّف قصائده. “مرّينا بيكم حمد”، التي غنّاها ياس خضر، بدت أغنيةً حتى قبل أن تُلَحَّن وتتحوّل إلى أغنية.
لا نبالغ هنا في الحديث عن شفاهية صاحب “للريل وحمد”، ولا نريد بذلك اختزال تجربته أو التقليل منها. نلاحظ، فقط، اختلافاً في مسيرته الشعرية عن كثيرٍ من مجايليه. ليس فقط لأنه جمع، طيلة مسيرته، بين الفصحى والعامّية، ضمن مستوى شعريّ واحد – وهو شيءٌ نادر لدى الشعراء العرب البارزين في وقتنا. بل لأنّ تجربته تدين قبل ذلك، في رأينا، إلى الفم والأذن، فمه وآذان مَن يصغون إليه، أو إلى تسجيلاته، قبل دَينها إلى النظَر الذي ترتبط به الكتابة والقراءة عادةً.
فالشاعر، الذي لوحق في بلده، وسُجن فيه، ومُنع شعرُه فيه، وحُكم فيه بالإعدام، ونُفي منه، بسبب معارضته وشيوعيّته، ظلّ حاضراً في العراق عبر صوته. كما أنه ذهب بصوته إلى سورية، ولبنان، وليبيا، وغيرها من البلدان العربية، حتى قبل أن يقيم فيها. كان يزور كلّ هذه البلدان بأشرطة كاسيت سُجّلت عليها قصائده الشعبية، وقصائده السياسية أو الغزلية. وكانت تلك الأشرطة مادّةً شائعة في العراق، وكذلك في سورية، وفي غيرهما.
في سهراتهم، يشرب المثقّفون، يتحدّثون عن الشعر والكتابة والسياسة، وليس غريباً، في مشهدٍ كهذا، أن يكون داخل المسجّلة، على طاولة في زاوية الصالون، شريطٌ لـ”القدس عروس عروبتكم”، لـ”للريل وحمد”، لـ”تلّ الزعتر”، لـ”الحانة القديمة” أو حتى شريط أغانٍ لمطربين عراقيّين يؤدّون قصائده.
مظفّر النوّاب كان هكذا، شاعراً تسمعه وتقرأه الأغلبية: “سواد” الشعب، كما يُقال، والنخبة – أو قسمٌ منها على الأقلّ. بالتأكيد، لم تكن قصائده تروق للجميع. فثمّة مَن قد يرى مباشرةً سياسيةً في كثير منها، وثمّة مَن قد يرى، في قصائد أُخرى، غنائيةً وإنشاءً سهلَيْن. قد يكون هذا هو الثمن الذي يدفعه شاعرٌ لم يشأ الفصل بين قصيدته والواقع الساخن – سياسياً كان أو شخصياً.
لكنْ، عندما كان النوّاب يلقي، في أحد مقاهي دمشق، قصيدته التي شاعت بين المثقّفين السوريّين (“دمشقُ عدتُ بلا حزني ولا فرحي/ يقودني شبحٌ مضنىً إلى شبحِ”)، كان الجوّ بعيداً عن نقد النخبة، بل لحظة يصل فيها الشعر إلى ذات المستمع من دون حواجز العقل والأسئلة. فالتجربة، بعُريها، تمثُل هنا، في هذه الاعترافات:
“دمشق عدتُ وقلبي كلُّه قُرَحٌ
وأين كان غريبٌ غير ذي قرحِ
هذي الحقيبة عادت وحدها وطني
ورحلة العمر عادت وحدها قدحي
أُصابحُ الليل مصلوباً على أملٍ
ألّا أموتَ غريباً ميتةَ الشبحِ”

شفافيةٌ تذكّر، على سوداويّتها، بقصائده الأُولى التي تغنّى فيها بلحظاتٍ من شبابه العراقي: مثلاً، قطار الليل الرخيص ذاك، الذي بات أشهر من أن نعيد روْي قصّته.
——-

مظفّر النوّاب.. قصائد من طين الأهوار
سومر شحادة

أمس، رحل مظفّر النوّاب (1934 – 2022) بعد أن لاحقته شائعة الموت طويلاً. ورحيلُ الشعراء بصورة خاصّة يترك في ثقافتنا العربية حزناً طالما عرفناه مع رحيل شعراء مؤثرين في الوجدان الجمعي؛ إذ لا يزال الشعر يحمل الوجدان العامّ لهذه الثقافة، وهو ما يتأكّد عند رحيل الشعراء الذين عاشوا نجوماً، والنوّاب أحد النجوم الغاربة الآن.
وصل مظفّر النوّاب إلى القارئ غير العراقي من خلال القصائد المسجَّلة، وقد أثّر في المتلقّي إلقاءً، ذلك لأنّ إلقاءه ذلّل إلى درجة كبيرة صعوبة التقاط العامّية التي كَتب بها إلى جانب الفصحى؛ إذ ما إن يلتقط المتلقّي كلمات قليلة، حتّى يلحق بالشاعر الذي يبدو قادماً من مكان خاص في اللغة والتجربة. ذلك أنّ حزن النوّاب يقيّدُ المرء ويأسره، ونزقه وغضبه في القصائد السياسية يستنفر قوى المتلقي. كما يخلق النوّاب لدى من يسمعه ذلك الفضول لمعرفة كلّ المفردات التي يقولها، كلّ تلك التراكيب والصُّوَر التي تتدفّق بدءاً من أهوار العراق من غير أن يبدو أنّ لها نهاية. فالنوّاب شاعر غزيرٌ بالفطرة، وهو من القلّة الذين استطاعوا إشاعة العاميّة العراقية في الشعر والأدب عموماً. وقد ساهمت طريقته في الإلقاء في نجاحه الكبير في القصيدة الشعبية. يُلقي قصيدته كما لو أنّها آخر شيء يريد أن يفعله في حياته. ينفعل وينكسر، يصرخ ثمّ يقرأ بصوتٍ شجيّ يكاد يصير همساً.
يمكن لإلقائه أن يؤثّر حتّى في من لا يعرف العربية، فكيف بمن يتوق إلى معرفة مفردة أو مفردتين بالعاميّة العراقية حتّى يتمّ المعنى الذي أراد إيصاله إلى العاشق أو المشتاق، إلى من فقد وطنه أو نُفي عنه؛ إذ ينقل إلى متلقّيه، أو يزرع في متلقّيه، ذلك الوعي المتولّد من طاقة شعورية صادقة؛ بأنّ عليك أيضاً أن تعرف ألمي، لأنّه ألم يعنيك، لأنّه عنك، ولأنّه ألمك.
النوّاب شاعر غاضب، وغضبه سياسيّ بالدرجة الأولى. قصيدة “القدس عروس عروبتكم” من أشهر القصائد السياسية، وتمثّل فلسطينُ جوهرَ موضوعاته في هذا الشأن، إلى جانب ما لحق بها من جرّاء الأنظمة العربية وطغيانها. وكان النوّاب قد خرج من سورية إلى لبنان على خلفية قصيدته “تل الزعتر”، بمساعدة إحدى المنظّمات الفلسطينية، وهرب بجواز سفر يمني إلى ليبيا. وتمثّل هذه الحادثة للعراقي المنفيّ صورةَ الشاعر الذي تنفيه أوطانه، وتُحاول إنقاذَه في آنٍ واحد. وقد انتشر شعره على النحو نفسه؛ إذ مُنِعَت قصائده في العراق وخارجه في ظروف مختلفة، لكنها انتشرت مع المنع، وقُرِئت مع المنع حتّى قهرته.
ولربما يكون من أكثر الشعراء الذين كالوا للأنظمة القصائد الهجائية التي استمرّت تعرّي تخاذلها من جهة، وتُنصّب الشاعر في ذلك الموقع المتفرّد من الوجدان الشعبي والشعري العربي من جهة أُخرى. ويمكن للقارئ أن يلتقط لديه ذلك الفارق بين شاعرٍ هو حنجرة الناس، بما تحمله سليقتها من شتائم ضدّ حكّامها، وبين شاعر ينمّق لغته كي تتلاءم مع مقولة الناس. ما يشبه فكرته عن استخدام العاميّة في الشعر، فهو يشبّه العامية بصناعة التماثيل من الطين، حيث يجد امتداد الحضارة العراقية، على عكس الفصحى التي يشبّهها بالنحت في الصخر. لكن، في الوقت نفسه، قصيدة النوّاب قصيدة بلاغية، والصورة الشعرية أبرز محدّداتها.
يذكر مظفّر النوّاب، في أحد حواراته، أنّ المنافي التي كان يدور الحديث عنها بصورة دائمة في عائلته، هي أحد منابع شعره، إلى جانب عيشه إلى جوار النهر، وما النهر سوى كناية عن الارتحال. من قصيدته “في الحانة القديمة” نقرأ: “سبحانك كلّ الأشياء رضيت سوى الذُّل/ وأن يوضع قلبي في قفص في بيتِ السُّلطان/ وقَنِعتُ يَكونُ نَصيبي في الدُنيا كنصيب الطير/ ولكن سُبحانَك حتّى الطيرُ لها أوطانْ… وتعود إليها/ وأنا ما زلت أطيرُ/ فهذا الوطن الممتدّ من البحر إلى البحر/ سجونٌ متلاصقةٌ/ سجّانٌ يمسكُ سجّان”.
هكذا كان مظفّر النواب يرى نفسه، طائراً مرتحلاً خارج السجون، بين المنافي، لا بين الأوطان.


* روائي من سورية

——

جسارة الكلمة التي لم تسقط يوماً
أمير داود

يكاد مظفّر النوّاب، الذي غادر عالمنا اليوم الجمعة، يكون آخر شعراء السرديات الكبرى العرب. غادر معظم الشعراء القضيةَ الكبرى، وانحازوا إلى الهمّ الشخصي الموغل في الفردانية بكل خساراتها وهزائمها وطموحاتها، في حين ظلّ، إلى جانب قلّة، متمسّكاً بجسارة الكلمة التي لم تسقط يوماً من حسابات الثورة والقدرة على التغيير، وهي الكلمة ذاتها، التي ذهبت به إلى قلب دائرة التورُّط؛ منفيّاً ومهدَّداً بالإعدام وممنوعة كتبه من التداوُل، ليس على صعيد القُطر العراقي فحسب، بل في أكثر من بلدٍ في المنطقة العربية.
سيذهب النوّاب (بغداد 1934 – الشارقة 2022) في منفاه القسري الطويل، عبر نفق محفور بسكّين مطبخ. نجح الشاعر العراقي، ذات ليلة باردة من ليالي شتاء 1967 في مغادرة سجن “الحلّة” ببابل، هرباً منه ومن الإعدام شنقاً؛ ليشرع في تلك الرحلة الطويلة من الشعر والألم والخسارة الشخصية، مسكوناً بهواجس الوطن البعيد بنخيله ومقاهيه وبالفرات ودجلة، قارئاً على آذان الناس بعدها:
ولكنّها بلادي
لا أبكي من القلب
ولا أضحك من القلب
ولا أموت من القلب إلّا فيها.
لم يكن صاحبُ “وتريات ليلية” منشغلاً، على طريقة السياسيّين المدرَّبين، برسم جداريات الخطابة اللائقة التي لا تُزعج أحداً، بل كان محمولاً على قلب الشاعر، شديد الهشاشة والانفعال، يشتم هنا، ويسخر هناك، ويبكي:
أفل الليل
وكبرق في الأفق الشرقي يوازي السعف
يوازي همسات السعف.
الحالة إياها، التي جعلته في ليلة وضحاها، شاعراً بموقف إشكاليّ عندما رحّب بسقوط نظام صدّام حسين، مُدلياً بصوته في أوّل انتخابات تجري في “العراق الجديد”، ثم رافضاً أن يستقرّ في عراق ما بعد الاحتلال.
شكّلت لغتُه المتفرّدة، بكلّ ما تحتويه من اللامألوف في اللغة الشعرية ومفردات الرفض والغضب والتحريض، ميزةً لافتة لتجربته الطويلة، وخصوصاً في الشعر السياسي والعامّي؛ ميزةٌ أثارت العديد من عواصف النقاش بين جماهير المشتغلين بالنقد والأدب حول الملاءمة والأصالة في شعره. لكنّها، في ذات الوقت، جعلت جماهير واسعة تُصغي إلى ما يقوله، قبل أن يصبح علامة ثوريةً فارقة لجيل السبعينيات والثمانينيات يُشار إليه باعتباره منظّراً ومحرّضاً ضدّ أنظمة القمع في المنطقة. يقول في إحدى قصائده:
احترق الخنصر
أعطى ضوءاً عربيّاً
ليس لإصبعي الوسطى في الليل أمان
وأدير على هذي الإصبع حكّام الردّة قاطبةً
سوف أُحدّثكم في الفصل الثالث عن أحكام الهمزة
في الفصل الرابع عن حكّام الردّةِ
أمّا الآن فحانات العالم فاترة
مللٌ يشبه علكة بغي لصقته الأيام بقلبي.
لم يتوقّف مظفّر النوّاب عند هذه الحدود، بل حاول التأصيل أيضاً لجمالية اللغة العامّية وصُوَرها. يقول: “الكلام ضدّ العامية يسود في لغة التنظير، أمّا في لغة الحقيقة فهي أُخرى، بدليل أنّ الذين يهاجمونها يطربون حينما تغنّي أم كلثوم وفيروز بها. يطربون لصورها، ولكنهم حين يتحدّثون عن العامية يتحدّثون بلغة الإدانة، وهذه ازدواجية عجيبة”.
كما لم ينشغل صاحبُ “قُل هي البندقية أنت” أيضاً باقتراح قالبٍ شعريّ محدَّد في إطار انزياح الشعراء إلى نمذجة تجاربهم الشعرية، سيذهب بعيداً في كلّ الممكن من أدواته؛ قارئاً للواقع: “وإذاعات العرب الأشراف تبول على النار”، ومتنبّئاً بما سيأتي، بما تمليه اللحظة الراهنة وبكلّ ما تفعله بقلب الشاعر المسكون بالإنسان وقضاياه:

سيكون خراباً
هذي الأمّة لا بدّ لها أن تأخذ درساً في التخريب.

ومحرّضاً:

أسنِد كوعك للكوّة
أسند كوعك للكوّة يا عبد الله
مدّ الرشّاشة في الفجر الشاحب.

سنرى مظفَّر النوّاب، في ما بعدُ، كهلاً ضعيفاً، يُعينه رجالٌ حوله على الحركة، عبر صُوَر قليلة ونادرة تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي، تستدرّ بكل اقتدار مشاعر التعاطف مع الرجل الذي شكّل، وحتى وقتنا الحاضر، أيقونة في الشعر العربي الحديث، ومَعلَماً شعرياً شاهداً على قسوة التبدّلات السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية كلّها.

—-
* كاتب من رام الله

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*