هكذا ومثل رجل أدمن خيباته اعتلينا العربة وحده الحوذي صار يصغي لوقع خسارتنا حيث نلمس توالداً للألم واستمرارا لخيبة الأمل فصورة العربة بسيرها البطيء يوحي بالوهن والضعف متضادة بحضور الرمز (النهاية) الحوذي ليؤكد على خسارة الوجود واقتراب النهايات المفتوحة على تعدد العوالم المجهولة والتي تحاول الشاعرة الإمساك بلقطة واحدة من ذلك الزمن المهدور بكل تلاوينه لنكتشف هويتنا فتقول مرة أخرى:
حتى ضيعتنا سرادق أعمارنا ننكشف عن أحزاننا بلا عناوين، فنتلمس حجم المرارة والصدق في هذه القصيدة فهي صادقة كواحدة من أبناء الجنوب في اعترافها معنا بالإخفاق في مسك زمن الحقيقة زمن الهوية لتؤكد ذلك في ضربة شعرية تنتصر فيها الشاعرة لقدرها وقدرنا جميعا انه صورة القدرية المحيطة بنا فتقول:
منتصرين بالخمول والتلاشي
لم يكن الحوذي نحيلا ولاالحصان ولا رؤوسنا فقط كان أفق العربة نحيلا
للمكان دلالته في المجموعة الشعرية ونقصد بالمكان الجنوب موطن الشعر
يعتبر المكان (الجنوب) مصدرا مهما وقاسيا في كتابة القصيدة عند الشاعرة فليحة حسن فتظهر هيمنة المكان وبصماته واضحة (تصريحا وتلميحا) لتؤكده الشاعرة (بالجنوب) في (ولو بعد حين) فنتلمس عشقا أزلياً للجنوب (جنوب العراق) وانه لقدر لكل أهل الجنوب في كل أرجاء الدنيا أن يكونوا مبدعين ومظلومين حتى في الولايات الأمريكية .. أما جنوب العراق الذي قدم لنا صفحات خالدة من الإبداع ابتداءً من الخليل بن احمد الفراهيدي وأبي نواس وبدر شاكر السياب وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد ولميعة عباس عمارة وغيرهم من المبدعين الى مبدعتنا الشاعرة فليحة حسن والتي نجد في قصائدها احتضان حقيقي للجنوب المثقل بالأحزان والجراح الكبير بعطائه ومبدعيه لتجعل من الجنوب معادلها الإبداعي المكاني والذي يربط ذ1اكرة الشاعرة بأزمان متخالفة ومتباعدة ولكنها متفقة في النتيجة وهي تقدم رؤية جميلة لدوامة الحياة في عالم الجنوب ففي قصيدة تلك الأناشيد تقول:
سهام يا جنوب الشجن
لو كان حلما نسيناه
ولكنه القدر المرتقب ….
وفي قصيدة مشاغبات نجد حضور الجنوب وقد أعطته الشاعرة حضورا ثوريا رافضا لكل أشكال الاستغلال والتبعية فنقرأ منها:
لو كان القلب شمالا
لأستمتعتم ببرودته
لكن جنوبيته
تأبى إلا أن تهديكم جمراً
وفي قصيدة (جنوبي) حيث تسترسل الشاعرة في بث صور الذكريات لأهل الجنوب أهلنا الذين كانوا مرايا النواح التي عمدت بالدموع يساورها القلق المستديم ….الى أن تصل الشاعرة الى لحظة رومانسية في القصيدة تحمل هموم الجنوب وتعلقها به فتقول:
مسرف انتفي انتمائك للجنوب
مسرف أنت في اغماضتك القاتلة
حيث يصبح الانتماء للجنوب يساوي الصبر القاتل والامتحان المرير كقولها:
طلل صداقات الجنوب،
ويامن يشظينا الجنوب،
وفي قصيدة نوافذ أو نهارات وبمهارة إبداعية تلاحق الشاعرة تحولاتنا وتحولاتها من خلال ملاحظة هموم الجنوب وتاريخه الحزين ففي قصيدة نوافذ أو نهارات تجعل الشاعرة من نهارات الجنوب المتهدمة مدخلا لفهم التحولات الجنوبية بصور متتابعة من شموخ الإنسان الجنوبي وصبره في حياة تصورها الشاعرة إنها قضيت بالأدعية والتوسل حيث استطاعت فليحة حسن في تطويع الذاكرة الشعرية والأسطورية محققة إفادة بنائية لتنتج نصا شعريا منفردا في دلالاته في استخراج اللغة الى أكثر فضاءاتها انفتاحا وتأويلا من خلال إلية التماثل بين (الحوذي والشاعرة) (والجان وحكايات الجدة والشاعرة) (والشاعرة ونساء الرماد) (والشاعرة والولد المخبول) حيث نلمس الأسطورة والرمز وهي تمثل دلالات التجربة الشخصية الجنوبية للشاعرة فليحة حسن.
كما نلمس عند الشاعرة هيمنة الزمن الماضي بكل ثقله زمنا مخضبا بالدماء ومحاصرا بالرعب والرصاص فتقول في قصيدة (منفضة الرماد) لأعمار من طاردوا الانتهاء الرصاص والخلاص هذا العالم المشحون بالخوف والدمار أحال عالم الشعرة الى غربة في المرايا غربة في البيوت والشوارع والمدن حتى هواء الشعر والحياة دخل في عالم الاحتضار كما تقول في قصيدة (تعريفات لمفاتيح الأفق) نلمح صورا قاسية لنهاية رجال الحرب ومصيرهم الأبدي حيث تواصل الشاعرة سخريتها من عالم المقاتلين الدامي ولعلها أكثر وقعا في هذه القصيدة كما تقول:
المحاربون القدامى حولتهم المدافئ حطبا ونهايات حزينة، نجد عبارة القدامى– أن هؤلاء الأشخاص مستلب وجودهم وزمانهم.