السلوكُ الذكوريّ السّام لدى بطل ديفيد سالاي يعكس مخاوفَ واقعية مرتبطة بما يُسمّى «أزمةَ الذكورة».
في أعقاب فوز رواية «لحم» للكاتب ديفيد سالاي بجائزة البوكر، برزت سِمة لافتة في الرواية: كثرةُ استخدام البطل لكلمة «حسنًا» أو «OK».
فالمرّاتُ الخمسمئة التي يتمتم فيها إشْتِفان كلمة «حسنًا» تأتي في إطار أسلوبٍ نثريٍّ مقتضب، يتيح للقارئ إشاراتٍ قليلةً جدًا للدخول إلى العالم النفسي لرجلٍ تتقلّب حظوظه صعودًا وهبوطًا.
لكن محدوديّةَ تعبيرِ إشْتِفان لا تُقلّل من دلالات فوز الرواية. فصعودُ قصةِ رجلٍ من الطبقة العاملة في شرق أوروبا إلى واحدةٍ من أكبر الجوائز الأدبية في العالم، أشعل نقاشًا حول تمثيلات الذكورة في الأدب عام 2025.
مجلة «GQ» حثّت القرّاء على عدم اختزال الرواية إلى «وقودٍ للجدل الثقافي»، غير أنّ السياق العامّ، الذي يشهد حضورًا كثيفًا لمفهوم «الذكورة الأدبية» — وندرتِها الظاهرة — على المشهد، جعل روايةً تتناول رجلًا كتومًا، شهوانيًا، ينزع إلى العنف، مادةً مثالية لإشعال هذا الجدل.
تحدّث سالاي عن «الطبيعة الخطِرة» للرواية، ليس فقط بسبب أسلوبها، بل لأن بطلها يجسّد سلوكياتٍ ذكوريةً سامّة. وقال بعد فوزه: «لم يَعُد مقبولًا الاعتقادُ بأنّ الفتيان سيتصرّفون كفتيان فحسب. ولذلك اتوقّع أن يثير بطلُ «لحم» قدرًا غيرَ يسيرٍ من الاستهجان».
ويمضي إشْتِفان في مسارٍ حياتيّ يعكس توتّراته الداخلية: يدخل مؤسسةً لإعادة تأهيل الأحداث بسبب فعلٍ عنيف، ثم يلتحق بالجيش، ويعمل حارسًا على باب نادٍ للتعري، قبل أن يصبح سائقًا وحارسًا شخصيًا. يعلّق الروائي وعضو لجنة تحكيم البوكر كريس باور Chris Power «هذه ليست بالضرورة مساراتٍ حصريةً للرجال، لكنها تظلّ مساراتٍ يغلب عليها الطابعُ الذكوريّ في المخيال الاجتماعي».
وقد طُرحت هذا العام أسئلةٌ حول ما إذا كانت الكتابة الروائية للرجال أو عن الرجال فقدت زخمها. في أبريل، أسِّست دار نشر جديدة باسم Conduit Books، بهدف إتاحة مساحةٍ أصيلة لنشر الروايات والسير الذاتية التي يكتبها رجال، استنادًا إلى «تصوّرٍ متزايد بأنّ الصوت الذكوريَّ بات إشكاليًا»، بحسب مؤسس الدار، جود كوك Jude Cook، الذي يرى أنّ هذا التحوّل يأتي كردّ فعل على «هيمنةِ مشهدٍ أدبيٍّ سابق اتّسم بطابعٍ ذَكريٍّ سامّ» في العقود الأخيرة من القرن الماضي.
غير أنّ القائمة الطويلة للبوكر، التي ضمّت ستة رجال وسبع نساء، إلى جانب فوز سالاي، قدّمت ردًا عمليًا على هذا الطرح. ومع ذلك، فإن فوز «لحم» لم يقتصر على خرقٍ ما يبدو وكأنّه توجّه عامّ في الأدب، بل بدا متصلًا مباشرةً بالسؤال الأكبر حول معنى أن يكون الرجلُ «رجلًا» في عام 2025.
فقد وُضِعت الرواية ضمن سياقٍ أوسعَ لأزمةِ الذكورة المعاصرة، في ظل صعود مؤثّرين مثل أندرو تيت Andrew Tate، وبروز أعمالٍ ثقافية مثل دراما نتفليكس حول الـ «الإنْسيل» — Incel بعنوان Adolescence (وهو مجتمعٌ إلكتروني يضمّ شبابًا يعتبرون أنفسهم غير قادرين على جذب النساء جنسيًّا، ويرتبط هذا عادةً بآراء معاديةٍ للنساء والرجال النشطين جنسيًا – المترجم).
يقول باور: «فكرةُ وجودِ أزمةٍ في الذكورة داخل الثقافة المعاصرة — سواء عبر معدّلات الانتحار، أو انجذاب الصغار إلى نماذج مثل أندرو تيت — تكاد تتقاطعُ مباشرةً مع الأدب».
أما الناقد والكاتب ليو روبسون Leo Robson فيرى أنّ: «الزمنَ الذي يشهد نقاشاتٍ واسعة حول الذكورة والسلوكيات الذكورية بات أكثرَ تَقبّلًا لكاتبٍ مثل ديفيد سالاي، وهو يكتب عن الرجال بروحٍ نقديةٍ تمتحن المفاهيم السائدة».
ومع أنّ الروايات الأخرى التي كتبها رجالٌ في القائمة القصيرة للبوكر تباينت موضوعيًا، إلّا أنها تشترك في خيوطٍ دلاليةٍ فضفاضة. إذ يرى باور أنّ موضوعاتٍ مثل «الخيانة الزوجية» و«الانقياد وراء الشهوة»، تحضر في الأعمال الأخرى كما تحضر بقوّة في «لحم».
فرواية بن ماركوفيتس Ben Markovits بقية حياتنا The Rest of Our Lives تتناول أزمة منتصف العمر، ورواية بنجامين وود Benjamin Wood كاشط البحر Seascraper تستكشف التفاصيل اليومية لصيّاد الروبيان (بطل القصة يُوصَف بأنه «كاشط البحر» لأنه يعمل على الشاطئ يجمع الروبيان من الرمل أو من المياه الضحلة – المترجم)، أمّا رواية أندرو ميلر Andrew Miller الأرض في الشتاء The Land in Winter فتبدأ بمشهد انتحار شاب.
غير أنّ باور يقرأ شخصية إشْتِفان بوصفه نموذجًا لإنسانٍ معاصرٍ يكافح للتعامل مع قلق المكانة الاجتماعية والهشاشة الاقتصادية التي تُشكّل خبرةً أساسيةً لجيلٍ كامل من الشباب.
يقول: «أعتقد أنّ إشْتِفان يكافح، قبل أي شيء، لكي يستعيد السيطرة على حياته. وهذا الشعور عامّ، ويمسّ الكثير من الناس اليوم بحدّة».
—-
المقالة مترجمة عن صحيفة «الغارديان».
لانري باكاري Lanre Bakare مراسل أدبيّ وفنيّ في «الغارديان».
رمزي ناري: كاتب ومترجم عراقي يُقيم في عمّان، الأردن.