أشرقتِ الشَّمسُ باسمةً، ونسائمُ الصّيفِ تُداعبُ سنابلَ القمحِ وأغصانَ الشّجر؛ وخريرُ السّاقية يتهادى رقراقاً عذباً في الحقول.
انطلقت أسرابُ النّملِ تجمعُ الحبَّ من الحُقول.
قالَ نَمُّول الصَّغير: اُنْظري إلى الصّرصار يا أمّي، إنِّه يلعبُ ويلهو طوال اليوم، ونحنُ نُمضي النَّهار بالعملِ، وأنا أحبُّ اللهوَ واللعبَ مثله!
قالتِ النَّملةُ الأمُّ: يا صغيري في فصل الصّيف نُخزنُ الحُبوب في الأنفاق لتأمين طعامنا، فنحن لا نستطيعَ الخُروج من بيوتِنا في فصلِ الشِّتاء، سنغرَقُ ونعلقُ في الوحلِ تحتَ المطرِ، ونموتُ برداً وجوعاً، وهذا الصَّرصارُ الكسولُ سيموتُ جوعا في فصلِ الشِّتاء، أتِحِبّ أنْ تكونَ مثله كسولاً؟
قالتْ نَمُّولةُ الصَّغيرةُ: عند المساء سنلهو ونلعبُ ونُغنِّي يا أخي.
سألتِ النّملةُ الأمّ: هل ترضى أن تأكلَ من طعام النّمل وأنتَ لم تساعدهم بجمعه يا نمول؟ النَّملُ مجتهدٌ ويُحِبُّ العَملَ، والعمل واجبٌ على الجميع.
قالَ نمول خَجِلاً: آسِفٌ يا أمِّي، لا أحِبُّ أنْ أكون مثل الصُّرصار الكسول، وما عرفتُ أنَّ فصلَ الشِّتاء مُخيف.
ابتَسَمَتِ النَّملة الأم وقالتِ: فصلُ الشّتاءِ جميلٌ يا صغيري، إنّهُ فصلُ الخَيرِ والعطاءِ، لولاه ما أثمَرَتْ الأشجارُ وأزهَرَتْ الحُقولُ، الماءُ سرُّ الحياة للأرض وما عليها من البشرِ والحيوانات والنّبات والحشرات مثلنا؛ لكن حجمنا الصّغير يمنعنا من الخروج تحت المطر كي لا نموت غرقاً.
قالَ نَمُّول: هلْ يغرَقُ البَشَرُ بالمطر مثلنا يا أمِّي؟
أجابتْ: لا يَغرَقُ البشرَ بالمطرِ يا بُني؛ ومنهم منْ يُحِبُّ المَشي تحتَ المَطر، لكنّهم يغرقون إذا فاضتْ مياهه وغمرَتْ بُيوتَهم، وإن لم يستطيعوا السِّباحة، أو لمْ ينقذهم أحد.
سألت نَمُّولة الصّغيرة: كيف نحتملُ البردَ في الأنفاقِ في فصل الشّتاء؟
قالتِ الأمُّ: الأرضُ حَنونةٌ يا أبنائي، كُلّما تعَمَّقنا فيها أكثر، يَزدادُ الدِّفءُ أكثر، لذا نحفرُ أنفاقاً عميقةً نضعُ فيها بيوضنا التي تفقسُ في فصل الرّبيع، ونحفظ طعامنا، فننعمُ بالدِّفءِ طيلةَ فصلِ الشِّتاء.
شَكرَ نَمّول ونمّولة أمَّهما، والتَحَقا بأسرابِ النَّملِ وراحا يُـنشدان:
هيّا يا رفاق هيّا إلى العملْ
لا تكنْ كسولاً.. تبا للكسَل
سُرَّتِ النَّملةُ الأمُّ بِصغارِها، وأخذَ الجميعُ يعمَلُ بجدٍ ونشاطٍ.
عندَ المَساء أخذ النّملُ يرقُصُ على صوتِ الصّرصارِ حينَ أطلقَ نشيدَهُ تحتَ ضوءِ القَمرِ، لكنِّهم كانوا يُشفقونَ عليهِ لأنَّهُ كسولٌ؛ وسيموتُ جوعاً في فصلِ الشِّتاء القارس البرد.