عن كاتبٍ يبدع نظريات صعبة ولا يجد قوت يومه
الكاتب يبدع نظريات معقدة، يبني نصوصًا تهزّ الوعي، ويخلق أفكارًا تتجاوز الزمن، ويظل جائعًا. المجتمع يكرّم الفارغ، ويعاقب الغني بالمعنى.
الإبداع أصبح عقوبة، والمعرفة جريمة. الكاتب الصادق، الذي يرفض المجاملة ويطرح السؤال الصعب، يُهمّش ويُطرد، بينما تُستغل أفكاره بلا رحمة. يُباع نصه، ويُستشهد بفكره، ويستفيد الآخرون… وهو يبقى على هامش الحياة، بلا قوت، بلا تقدير، بلا اعتبار.
وللتوضيح أكثر: هناك مؤتمرات تقيمها وزارة الثقافة، من مؤتمر أدباء مصر السنوي إلى عدة مؤتمرات إقليمية. معظم المشاركين يسعون بكل جهدهم ووسائلهم من أجل المبيت والإعاشة—أكل ونوم لعدة أيام—ولا يلتفتون إطلاقًا لما كتبوه من شعر أو قصص قصيرة أو روايات أو نقد أدبي أو دراسات وأبحاث. ما يشغلهم حقًا هو التناحر والتلاكم على التكريم في أول أو نهاية المؤتمر، غالبًا لمن لا يستحق، وفي معظم الأحيان، بينما يبقى المستحق يشكو لربه، بلا وساطة، بلا معرفة، بلا مصالح متبادلة. مبلغ التكريم لا يقل عن 7000 جنيه مصري، لكنه يُمنح لمن يعرف كيف يلهث وراء السطح، لا لمن خلق العمق.
هنا تتجلى المفارقة الصادمة: الأدب، الذي من المفترض أن يكون قيمة وممارسة، أصبح في عيون بعض المشاركين مجرد وسيلة للبقاء المادي، في حين يظل المبدع الحقيقي مهمشًا وجائعًا.
الجوع ليس مجرد معدة خاوية، بل صرخة الروح في عالم جبان، يعبد السطح ويخاف العمق. وكل فكرة عظيمة وُلدت في عزلة، وكل نص عميق رفض الانحناء، هو شهادة على أن الحقيقة غالبًا مؤلمة، وأن الإبداع الحقيقي… لا يُطعم إلا الروح، والجسد… يظل جائعًا