مقدّمة :
أنا لم أذهب إلى هذا المقال بعقلٍ يقظٍ ،
بل قادتني إليه أحلامي الصغيرة وأوهامي الكبيرة !!
تلك الأحلام التي ترافق كل من عاش طويلًا داخل الكتب، وصدّق – ولو لمرّة واحدة – أنّ النصّ وحده يكفي ليصنع العدالة،
وأن الموهبة لا تحتاج إلى وساطة.
كنتُ أحلم كأي مثقف عربي بمشهدٍ ثقافيٍّ أنقى ، كي لا أتوهم أن الجمال ينتصر دائمًا وبلا كلفة ، وأن الأصوات الصادقة تشقّ طريقها تلقائيًا نحو الضوء !!
و شيئًا فشيئًا، بدأت تلك الأحلام تتصدّع،
لا لأنّها من الخيال، بل لأن الواقع الثقافي العربي أكثر تعقيدًا مما تمنحه لنا البراءة .
ملاحظة :
كل كتاباتي كانت على كوكب الارض ، في حارة من حارات العرب ، إلا هذا المقال كان بين السماء والارض ،
على متن احدى الخطوط الجوية العالمية ،هدوء تام ، جميع الركاب نائمين تقريباً ، ألا انا وطاقم الطائرة وقسم من المضيفات ،
طلبت بضوء التنبيه احداهن :
وقلت انني ارغب بفنجان قهوة ساخن : قالت بابتسامة جميلة لقد انتهى وقت توزيع المشروبات المجاني ، بامكانك طلب شراءه مقابل 10$ , وافقت فوراً ، لأنني اشتري الرفاهية من وجه ملائكي الطلة .
جاء فنجان القهوة الانيق ليحطم لحظاتٍ بين النوم واليقظة ، كأنني كنت أراجع شريط فلم سينمائي قديم ، كنت أرى أسماءً أدباء وشعراء تصعد بسرعة الضوء، وأخرى تختفي ببطء العتمة.
كنت متوهماً أن الزمن كفيلٌ بفرز الجميع،
ثم أكتشف أن الزمن وحده لا يكفي،
وأن هناك أيادي خفيّة، وشبكات، ومعامل ، ومعاول ، أكثر تأثيرًا من القصيدة نفسها.
هنا بالضبط، تحوّل الوهم إلى سؤال ؟
والحلم إلى شكٍّ معرفيّ !!
انا لا أريد الهدم !
بل أريد الفهم !
هذا المقال لم يُكتب بدافع الغضب بل بروح الانتشاء ، لا بروح الاتهام أو الاحتجاج ،
ولم تنتمي حروفي هذه الى اي جغرافية من اوطاننا العربية ، كتب المقال بالسماء ، في رغبةٍ مني من تالمصالحة مع الحقيقة كما هي، لا كما تمنّيناها.
كتبته لأنّ الأحلام حين تُخذل لا تموت،
بل تتحوّل إلى أسئلة مشروعة،
ولأن الأوهام – حين تُفحَص بصدق ،
تصبح أدوات وعي، لا عيوبًا أخلاقية.
من هذا التماسّ بين الحلم والانكسار،
بين الوهم والمعرفة، وُلدت هذه الأسئلة.
أنا أتكلم هنا بينكم لا لأفضح مشهداً !
لأن هذه ليست ديدني ولا اخلاقيتي،
بل لأضيئ المشهد قليلاً
علّنا نرى الأدب لا كما يُقدَّم لنا،
بل كما يُصنَع فعلًا في غرف تقطيع الافلام .
أنا على يقين تام أن في رأس كل مثقف وأديب عربي تعشعش هذه الاسئلة المشروعة ، ساعات تكون عميقة وخطِرة
بقدر ما هي ضرورية ، لأنها تمسّ بنية السلطة الثقافية ، وليس النصّ فقط.
وسأحاول الإجابة بهدوء معرفي،
لا بتهويل ولا تبرئة.
أولاً:
س : من يصنع المكانة الكبيرة للشعراء والأدباء والنقاد في الوسط الثقافي العربي ؟
ج : المكانة الأدبية لا تُصنع من طرف واحد بل من تراكب قوى متداخلة ومتعدده .
1. النصّ نفسه :
* القوة الجمالية
* الأصالة
* القدرة على زعزعة السائد
* البقاء في الذاكرة
2. المؤسسة الثقافية :
* دور النشر
* المجلات
* الجوائز
* الجامعات
* المهرجانات
* شبكات التواصل الاجتماعي
3. النقد والإعلام :
* من يكتب عنك؟
* أين يُنشر؟
* كيف يُقدَّم خطابك للناس؟
4. الزمن :،
* بعض الأسماء تصعد بسرعة ثم تسقط
* وبعضها يُقمع ثم ينتصر بعد الموت
الخطر ليس في كيف تُصنع المكانة،؟
بل لماذا تُمنح لمن لا يستحقها ؟
ويُقصى من يستحق.!
ثانياً:
المعايير والأدوات؟
المعايير الحقيقية (المثالية):
* العمق الجمالي
* التجديد
* الرؤية الفكرية
* الصدق الإبداعي
* الأثر الثقافي
الأدوات الواقعية :
* شبكة العلاقات
* الترويج الإعلامي
* الانتماء المؤسسي
* الجوائز (أحيانًا)
* الصمت المتواطئ للنقاد
ثالثاً:
دور الأحزاب والانتماءات الأيديولوجية :
لا يمكن إنكار أن بعض الأحزاب تصنع “مثقفها” ، لأن بعض الأيديولوجيات تكافئ من يكتب على مقاساتها وأهدافها ،
وبعض المثقفين الملمعين يُضخَّمون جداً
لأنهم “آمون جديد “.
لكن التاريخ يقول كلمته ويمضي دائماً :
الأدب الحقيقي لا يعيش طويلًا داخل العباءة الحزبية : لأن الكاتب يتحول إلى بوق وبالتالي يخسر روحه ومكانته بين الناس، حتى لو كسب المنبر الثقافي ، لأن التاريخ الأدبي لا يحفظ المطيعين ، بل المختلفين ولو بعد حين.
رابعاً:
دور المال الفاسد؟
* يشتري المنصات
* يموّل الجوائز
* يفرض أسماء
* يصنع نجوماً بلا موهبة
لكنه:
* لا يصنع نصاً عظيماً
* لا يمنح خلوداً
* لا يمنع سقوط الزيف
* المال قد يرفعك سريعاً،
* لكنه لا يمنع انكشافك ببطء.
خامساً:
* دور “اللوبي العالمي” في المحافل الأدبية العربية :
هنا يجب أن نكون دقيقين لا انفعاليين:
لا توجد أدلة علمية موثقة على إدارة لوبيات سرية للأدب العربي ، عدا جائزة نوبل.
لكن توجد :
* نخب مغلقة
* دوائر مصالح
* شلل ثقافية
* إقصاء ممنهج
* وهذا يُفسَّر أحياناً باللوبيات العالمية كتعبير رمزي عن: السلطة الخفية، وليس التنظيم السري.
في خاتمة التحري هذه :
لم ألمس الحقيقة و اليقينٍ كما يلمس الحجر، بل توصلت إلى قلقٍ يشبه الضوء.
والأدب الحقيقي لا يُهزم نهائياً ، قد يُؤجَّل، يُقمع، يُشوَّه ، لكنه في النهاية ، يطفو كالحقيقة المتأخرة.
في ساعات الفجر المتسارعه مع الطائرة نحو النور، الطائرة فوق مياه الكوكب :
أغلقتُ هذا المقال وأنا أشبه من عاد من حلمٍ طويل : لا يحمل دليلاً مادّيًا، لكنه متيقّن أنّه رأى شيئًا لا يُنسى.
أدركتُ أن الأسئلة التي أقلقتني لم تكن تبحث عن إجابات جاهزة، بل كانت تحاول إنقاذ روحي من التواطؤ، وكتابتي من الصمت، وضميري من البلادة.
تعلّمتُ أن الأدب ليس سباقًا إلى المنصّات، بل اختبار صبرٍ مع الزمن،
وأن المكانة الحقيقية لا تُمنَح، بل تُحتَمل. وأن الكاتب الذي ينام قرير العين لأنه “مقبول”، أخطر على الأدب من الكاتب المرفوض، لأن الرفض قد يُنقذ النص،
أمّا القبول المشروط فيُفسده ببطء.
حين أعود بذاكرتي إلى أحلامي وأوهامي الأولى، لا أجدني نادمًا عليها، بل ممتنًّا لها؛ فهي التي دفعتني إلى خوض هذا الحلم الوعر، حيث لا يقين نهائي، ولا براءة كاملة، ولا خرائط مضمونة.
هناك فقط أسئلة مفتوحة، وتجارب تُختبر، وخطوات تُقاس بقدرتها على الاحتمال
لا بالوصول.
لهذا اخترت أن أستأنف النوم مجازًا، لا هربًا، بل انتظارًا لتلك اللحظة التي يعلن فيها صوت الكابتن أننا بلغنا اليابسة بسلام؛ يابسة الوعي و الطمأنينة،
والنجاة من الوهم ووو الخلاص منه.
وفي هذه الرحلة،
تعلّمت أن الكتابة فعل شجاعة صامتة،
و شرفٌ خفيّ أن تكتب وأنت تعرف أنك قد تخسر كل شيء… إلا نفسك.
شكراً من أعماق القلب
لكل من رافقني هذه الرحلة الجميلة
مع المحبة .