يتشدق بعض العراقيين جزافاً بإحترام حرية التعبير، مثلما يتشدق بالديمقراطية وحرية الرأي والفكر العراقيون المسؤولون الذين تأصلوا بالعملية السياسية منذ احتلال العراق عام 2003. ومن باب “إبداء الرأي” الذي ننعم به في المهجر ونحلم أن يتحقق يوما في بلادنا، وإصرار موظفي الأحزاب الطائفية والعقائدية في الخارج للمجاهرة برأيهم وتصنيف الناس على هواهم دون أي اعتبار. أبحر في جوهر قضيتنا الوطنية وتأرجحاتها لتسليط الضوء على بعض المواقف والسلوكيات السياسية والاجتماعية التي تدعو للسخرية.. يشير الديالكتيك إلى أهمية الصراع الفكري لتحديث الممارسة السياسية بما يتناسب ومصالح الأمة، لكن ما يعرج إليه مِن العراقيين ممَن تآلفوا في كثير من الأحيان مع النفاق السياسي الذي أفرزه الاحتلال والطائفية، لا يعبر عن صدق في المواقف تجاه ما يجري في بلاد الرافدين ومواجهة تردي الأوضاع على كل المستويات بقدر ما يشكل مسعى ممنهجاً يقوم على تضليل الناس بهدف إيجاد سبل انجع للحاق بركب الأثرياء الجدد للحصول على مكاسب وامتيازات سياسية واجتماعية كما يعتقدون.
إتجه إهتمام القوى والشخصيات السياسية العراقية في الآونة الأخيرة نحو دعوة منتسبيهم وأنصارهم في الخارج للبحث عن أطر جديدة لكسب متعاطفين جدد بعد أن أخفقوا سياسياً وإفتضحت أساليبهم في الفترة المنصرمة. وأعدَّ هؤلاء المؤيدون أنفسهم تارة لعمل لقاء هنا وآخر هناك يسمى في كل مرة “مهرجان ثقافي” لكنه في واقع الحال لا يتعدى إستمناء ذاتي وجعجعة أنس خاتمتها صولات تبادل المديح على واجهات الأنترنيت بشكل مقرف. وتارة ابتكار دكاكين جديدة تحت مسميات دينية وطائفية وإجتماعية وحزبية “مستقلون” ديمقراطيون، إصلاحيون، أحرار، يسار، حسينيات مؤتمرية، مساجد وفاقية وإلى ما مِن ذلك من أسماء سقطت ورقة التوت عن تداعياتها بالجملة والمفرد. من حيث أن المستور في سوق العهر السياسي قد تكشف فكرياً واجتماعياً، وأصبحت الأمور مع مرور الزمن في عالمٍ متفسخٍ كهذا أكثر وضوحاً، ولم تعد هناك منعة أدبية وأخلاقية تستر انتهازية وتقلبات هؤلاء الطامعين إلى أهدافهم النفعية بأي وسيلة. وبات من الواضح أن احزاب السلطة المهيمنة على مقاليد الحكم في العراق قد نشطت في الآونة الأخيرة في استهداف تأسيس منظمات جديدة في الخارج لتكريس خطابها، فراحت تجند مَن جف مخزونه الوطني ويبحث في عالم السياسة التي لا يفقه منها شيئاً عن موقع عله يستفيد.
ألتقيت قبل أيام أحد الأصدقاء القدامى الذي حدثني بحضور صديق آخر، إجابة على سؤال عن شقيقه الفنان قائلاً:- لا أعلم عنه، لأنني لا أتحدث معه بسبب موقفه إذ جاءني يوماً يقول:- يا لله خلي نروح للعراق نلقف قبل أن يفوتنا القطار، هذه فرصتنا والكل لقف وصاروا مليونيريه.. وهذا الذي يريد أن “يلقف” هو أحد أولئك اللذين دعوا إلى تأسيس تجمع في بلدٍ أوروبي نسب لنفسه “مستقل” للكشر، والجدير بالذكر أن أغلب هولاء في الخارج ينتمون إلى اكثر من تشكيلة تابعة لذات الجهة تحت واجهات استحدثت بعد غزو العراق.. ولا أعلم إلى أي مدى يكون هؤلاء ساذجون بحيث يتناسون معرفة الناس لكل من ذهب بعيداً وغمر يده في وحل الاحتلال والطائفية لأجل مصالحه؟. وليس ثمة مَن ينسى مَن بارك الاحتلال وصفق له أو اعتبر غزو بلاده “تحريراً” فيما تعاطى الكثيرون منهم في المهجر المال والتدريب لدى “الأمريكان” ليحارب ويعمل معهم ضد بلاده وشعبه. فهل يصدق عاقل أن هؤلاء يمتلكون إرادة مستقلة ؟. إن مَن يقايض احتلال بوطن ويذهب إلى سفاراته يقدم باقات الورد مهنئاً، لا يمكن تحت أية ذريعة أن يكون مخلصاً لشعبه وأميناً للدفاع عن وطنه، لكنه بالتأكيد متمرساً في إبتكار الألاعيب السياسية لأغراض نفعية خاصة.
يبدو أن البعض داخل العراق وخارجه قد انقطع سبيل دخولهم العملية السياسية حتى من بابها الخلفي ولم يجدوا ،مع تعاظم محاولاتهم تحت مسميات مختلفة، الطريقة المثلى للتعاطي مع الأوضاع التي رسمها الاحتلال منذ غزوه العراق عام 2003 بهدف الحصول على بعض الامتيازات من خلال الانسياق وراء العملية السياسية المرسومة أمريكياً والتي بسببها لازال المتربعون على السلطة ينهبون أموال وخيرات البلد بما في ذلك إرثه الحضاري والثقافي حيث أفرغوا العراق من كنوزه الأثرية وهربوها للأسواق العالمية والمؤسسات الصهيونية من أجل الإثراء. ومع ذلك فأنهم لازالوا يبحثون عن “طوابير جديدة” تقدم الخدمات لأحزابهم مقابل بعض المال والرعاية، تحت أسماء وعناوين لا صلة لها بأية فلسفة ديمقراطية أو موقف مستقل. وإذا كان ثمة من يتحدث عن “الاستقلالية” عليه أن لا يخلط بين هذا والحياد، فقضية الوطن، لا تقبل المساومة تحت أي ذريعة أو مزاج. فأي استقلالية عاهرة اذن، هذه التي تضع قدر الأمة على المحك من نافل القول: “إن الناس تغير مواقفها وفق ما تفرزه المراحل ويتغير إيمانهم وانتمائهم” أنه سخف وكذب ونفاق، أنها الانتهازية والتضليل بعينه، وإلا لماذا يصعد الأبطال إلى المشنقة وهم يهتفون باسم الشعب والوطن!!.
لقد نضح الوعاء كل ما فيه ولم يبق من الأسماء هنا وهناك إلا السائد من نماذج مألوفة الموقف والتقلبات، مع تحفظي على التعميم، لا تمتلك أي فكرة جدلية تتواءم مع مفهوم العقد الاجتماعي، سوى التهالك لنيل موقع ما لأغراض نفعية خاصة تحت عناوين جديدة مثل “مستقلين” بعد أن استنفذت كل العناوين للحاق بمَن سبقوهم في العملية السياسية دون جدوى، مثل سلمى جبو مستشارة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة ووجدان ميخائيل وزيرة حقوق الانسان اللتين تلقيّن الدعم من قوات الاحتلال وأصبحن نساء أعمال ثريات،والنائبة المدافعة عن حقوق المرأة ميسون الدملوجي التي حضرت احدى الفعاليات في أوروبا لغرض تأسيس تجمع عراقي مستقل، أدعوا أنها تمثل العراقيين كونها عضو برلمان. واسأل على كم من الأصوات حصلت بالانتخابات الزائفة حتى نقر اعترافنا لها؟. أو لذلك المسؤول الذي يشير حادث سرقة بنك حكومي بالزويه أصبع الإتهام إليه وهو أحد أبرز رموز الدولة العراقية المتدينين “ينتمي إلى حزب يقال عنه إسلامي” كان يفترض أن يقدم استقالته بعد إثارة الشبهات حوله كما متعارف عليه في الديمقراطيات الأوروبية، بدل أن يستغل مقامه الرفيع وما يتمتع به من امتيازات ودعم سياسي وطائفي”مستقل” لوقف إجراءات التحقيق.. السؤال على أي سند تستند استقلالية من ينادون بها، وفيهم مَن متورط في أكثر من مرة في!
خدمة الاحتلال وقبض المال وأجور السفر للعراق ليعمل في مؤسساته هناك ؟. ومنهم مَن تقلب في صفوف الطائفية والعنصرية القومية يكيل المديح اليوم ويلعن غداً لأجل موضع قدم.. الجديد ما الذي توفره هذه الجماعات وسط اضطراب سياسي وفساد مالي واخفاق إقتصادي وتنموي مس مشاعر المجتمع العراقي برمته حتى نثق بنواياها وأهدافها تحت أبجديات هزيلة الحضور والمقام.
عصام الياسري
برلين في 8 أيلول 2009
إتجه إهتمام القوى والشخصيات السياسية العراقية في الآونة الأخيرة نحو دعوة منتسبيهم وأنصارهم في الخارج للبحث عن أطر جديدة لكسب متعاطفين جدد بعد أن أخفقوا سياسياً وإفتضحت أساليبهم في الفترة المنصرمة. وأعدَّ هؤلاء المؤيدون أنفسهم تارة لعمل لقاء هنا وآخر هناك يسمى في كل مرة “مهرجان ثقافي” لكنه في واقع الحال لا يتعدى إستمناء ذاتي وجعجعة أنس خاتمتها صولات تبادل المديح على واجهات الأنترنيت بشكل مقرف. وتارة ابتكار دكاكين جديدة تحت مسميات دينية وطائفية وإجتماعية وحزبية “مستقلون” ديمقراطيون، إصلاحيون، أحرار، يسار، حسينيات مؤتمرية، مساجد وفاقية وإلى ما مِن ذلك من أسماء سقطت ورقة التوت عن تداعياتها بالجملة والمفرد. من حيث أن المستور في سوق العهر السياسي قد تكشف فكرياً واجتماعياً، وأصبحت الأمور مع مرور الزمن في عالمٍ متفسخٍ كهذا أكثر وضوحاً، ولم تعد هناك منعة أدبية وأخلاقية تستر انتهازية وتقلبات هؤلاء الطامعين إلى أهدافهم النفعية بأي وسيلة. وبات من الواضح أن احزاب السلطة المهيمنة على مقاليد الحكم في العراق قد نشطت في الآونة الأخيرة في استهداف تأسيس منظمات جديدة في الخارج لتكريس خطابها، فراحت تجند مَن جف مخزونه الوطني ويبحث في عالم السياسة التي لا يفقه منها شيئاً عن موقع عله يستفيد.
ألتقيت قبل أيام أحد الأصدقاء القدامى الذي حدثني بحضور صديق آخر، إجابة على سؤال عن شقيقه الفنان قائلاً:- لا أعلم عنه، لأنني لا أتحدث معه بسبب موقفه إذ جاءني يوماً يقول:- يا لله خلي نروح للعراق نلقف قبل أن يفوتنا القطار، هذه فرصتنا والكل لقف وصاروا مليونيريه.. وهذا الذي يريد أن “يلقف” هو أحد أولئك اللذين دعوا إلى تأسيس تجمع في بلدٍ أوروبي نسب لنفسه “مستقل” للكشر، والجدير بالذكر أن أغلب هولاء في الخارج ينتمون إلى اكثر من تشكيلة تابعة لذات الجهة تحت واجهات استحدثت بعد غزو العراق.. ولا أعلم إلى أي مدى يكون هؤلاء ساذجون بحيث يتناسون معرفة الناس لكل من ذهب بعيداً وغمر يده في وحل الاحتلال والطائفية لأجل مصالحه؟. وليس ثمة مَن ينسى مَن بارك الاحتلال وصفق له أو اعتبر غزو بلاده “تحريراً” فيما تعاطى الكثيرون منهم في المهجر المال والتدريب لدى “الأمريكان” ليحارب ويعمل معهم ضد بلاده وشعبه. فهل يصدق عاقل أن هؤلاء يمتلكون إرادة مستقلة ؟. إن مَن يقايض احتلال بوطن ويذهب إلى سفاراته يقدم باقات الورد مهنئاً، لا يمكن تحت أية ذريعة أن يكون مخلصاً لشعبه وأميناً للدفاع عن وطنه، لكنه بالتأكيد متمرساً في إبتكار الألاعيب السياسية لأغراض نفعية خاصة.
يبدو أن البعض داخل العراق وخارجه قد انقطع سبيل دخولهم العملية السياسية حتى من بابها الخلفي ولم يجدوا ،مع تعاظم محاولاتهم تحت مسميات مختلفة، الطريقة المثلى للتعاطي مع الأوضاع التي رسمها الاحتلال منذ غزوه العراق عام 2003 بهدف الحصول على بعض الامتيازات من خلال الانسياق وراء العملية السياسية المرسومة أمريكياً والتي بسببها لازال المتربعون على السلطة ينهبون أموال وخيرات البلد بما في ذلك إرثه الحضاري والثقافي حيث أفرغوا العراق من كنوزه الأثرية وهربوها للأسواق العالمية والمؤسسات الصهيونية من أجل الإثراء. ومع ذلك فأنهم لازالوا يبحثون عن “طوابير جديدة” تقدم الخدمات لأحزابهم مقابل بعض المال والرعاية، تحت أسماء وعناوين لا صلة لها بأية فلسفة ديمقراطية أو موقف مستقل. وإذا كان ثمة من يتحدث عن “الاستقلالية” عليه أن لا يخلط بين هذا والحياد، فقضية الوطن، لا تقبل المساومة تحت أي ذريعة أو مزاج. فأي استقلالية عاهرة اذن، هذه التي تضع قدر الأمة على المحك من نافل القول: “إن الناس تغير مواقفها وفق ما تفرزه المراحل ويتغير إيمانهم وانتمائهم” أنه سخف وكذب ونفاق، أنها الانتهازية والتضليل بعينه، وإلا لماذا يصعد الأبطال إلى المشنقة وهم يهتفون باسم الشعب والوطن!!.
لقد نضح الوعاء كل ما فيه ولم يبق من الأسماء هنا وهناك إلا السائد من نماذج مألوفة الموقف والتقلبات، مع تحفظي على التعميم، لا تمتلك أي فكرة جدلية تتواءم مع مفهوم العقد الاجتماعي، سوى التهالك لنيل موقع ما لأغراض نفعية خاصة تحت عناوين جديدة مثل “مستقلين” بعد أن استنفذت كل العناوين للحاق بمَن سبقوهم في العملية السياسية دون جدوى، مثل سلمى جبو مستشارة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة ووجدان ميخائيل وزيرة حقوق الانسان اللتين تلقيّن الدعم من قوات الاحتلال وأصبحن نساء أعمال ثريات،والنائبة المدافعة عن حقوق المرأة ميسون الدملوجي التي حضرت احدى الفعاليات في أوروبا لغرض تأسيس تجمع عراقي مستقل، أدعوا أنها تمثل العراقيين كونها عضو برلمان. واسأل على كم من الأصوات حصلت بالانتخابات الزائفة حتى نقر اعترافنا لها؟. أو لذلك المسؤول الذي يشير حادث سرقة بنك حكومي بالزويه أصبع الإتهام إليه وهو أحد أبرز رموز الدولة العراقية المتدينين “ينتمي إلى حزب يقال عنه إسلامي” كان يفترض أن يقدم استقالته بعد إثارة الشبهات حوله كما متعارف عليه في الديمقراطيات الأوروبية، بدل أن يستغل مقامه الرفيع وما يتمتع به من امتيازات ودعم سياسي وطائفي”مستقل” لوقف إجراءات التحقيق.. السؤال على أي سند تستند استقلالية من ينادون بها، وفيهم مَن متورط في أكثر من مرة في!
خدمة الاحتلال وقبض المال وأجور السفر للعراق ليعمل في مؤسساته هناك ؟. ومنهم مَن تقلب في صفوف الطائفية والعنصرية القومية يكيل المديح اليوم ويلعن غداً لأجل موضع قدم.. الجديد ما الذي توفره هذه الجماعات وسط اضطراب سياسي وفساد مالي واخفاق إقتصادي وتنموي مس مشاعر المجتمع العراقي برمته حتى نثق بنواياها وأهدافها تحت أبجديات هزيلة الحضور والمقام.
عصام الياسري
برلين في 8 أيلول 2009