كان مسرح الطفل في العراق، وفي البصرة على وجه الخصوص، واحدًا من أهم المسارح وأكثرها تأثيرًا في صياغة وعي الأجيال. لم يكن مجرد منصة للترفيه، بل كان مدرسة تربوية وجمالية تُهذّب الذوق، وتغرس حبّ المعرفة، وتعلّم الأطفال النظافة واحترام الكبير، وتمنحهم الإحساس بالانتماء إلى بيئة ثقافية صحية.
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت عروض مسرح الطفل تُقدَّم بروح مخلصة، وبحرفية عالية، وبشغف حقيقي تجاه الطفولة. كنا نشاهد كيف تتغير نظرة الطفل للحياة بعد مشاهدة عرض واحد فقط، وكيف يعود إلى بيته محمّلًا بأسئلة وابتسامة وفضول ومحبة. كان المسرح يعوّض الكثير مما لا تقوى المدرسة والأسرة أحيانًا على تقديمه.
ولكن…
منذ عام 2003 بدأت الملامح تخبو شيئًا فشيئًا. اختفى مسرح الطفل تقريبًا، ولم يبقَ منه إلا محاولات بسيطة فردية، متواضعة، لا تعبّر عن تاريخ هذا الفن العريق. القاعات اندثرت، البنى التحتية تحولت إلى دكاكين ومخازن، والمواهب تفرّقت، والجمهور الصغير تُرك بلا منصة تُصغي إلى أحلامه.
من المسؤول؟
هل هو غياب الدعم الرسمي؟
أم ضعف المؤسسات الثقافية؟
أم تراجع الوعي بأهمية أن يبقى الطفل في صدارة الاهتمام؟
أم هو مجموع هذه الأسباب جميعًا؟
إن ضياع مسرح الطفل في العراق، وفي البصرة بالذات، ليس خطأ فردًا ولا جهة واحدة؛ إنه نتيجة تراكم سنوات من الإهمال وتقديم كل شيء على الثقافة، وكأن صوت الطفل آخر ما يُسمع.
لكن رغم كل ذلك، يبقى الأمل حاضرًا.
فالبصرة التي أنجبت مبدعين كبارًا، وقدّمت مسرحًا كان يُضرب به المثل، قادرة على أن تعيد الحياة إلى هذا الفن النبيل.
قادرة على أن تجعل من مسرح الطفل مشروعًا تربويًا وثقافيًا يعيد بناء جيل جديد يعرف معنى الجمال والانتماء والاحترام.
إن إنقاذ مسرح الطفل ليس رفاهية…
إنه مسؤولية أخلاقية وثقافية، وواجب يجب على الجميع—من مؤسسات ودولة وفنانين ومجتمع—أن ينهضوا به.
نعم اخي استاذ فتحي شداد بتنا نفتقد الى هكذا نشاطات وفعاليات التي من اهم أهدافها هي تنمية الفكر الصحيح لدى الأطفال بصورة خاصه والمجتمع بصورة عامه
المطلوب من الدولة والوزارات والدوائر المعنية ان تلتفت الى هذا الامر من اجل بناء جيل جديد ملتزم وواعي